تابعت ورشة الإبداع التاسعة المرافقة لجائزة الشارقة للإبداع العربي (الإصدار الأول)، جلساتها مساء أول أمس، حيث تناولت الجلسة الثانية في محورها الأول:

«الرواية والقصة العربية في مشهد العالمية»، عبر ورقة عمل قدمها «عبد الله أمين أبو شميس» من الأردن الفائز بالجائزة الشعرية الأولى عن مجموعته الشعرية (هذا تأويل رؤياي)، أشار فيها إلى أن العمل الأدبي لا يخرج عن خصوصية شعبه إلى أن يكون أدباً عالمياً منتشراً، إلا بمروره عبر قنطرة إحدى اللغات الأكثر انتشاراً في العالم كالإنجليزية أو الفرنسية أو الإسبانية أو الألمانية.

ففي دول كثيرة مثل السويد والنرويج والدنمارك وفلندا وهولندا وإيطاليا وبولونيا وروسيا والمجر، لا يتم التعرف على الكاتبات والكتاَب العرب عامة إلا بعد نجاح هؤلاء في بلاد اللغة الفرنسية أو الإنجليزية، أو بعد حصولهم على جائزة مهمة،.

كما أن العديد من كتَاب وكاتبات المغرب العربي نالوا وضعاً مرموقاً ضمن حركة الأدب في فرنسا لأن أكثرهم يكتب بالفرنسية، أما الذين يكتبون بالعربية فيواجهون صعوبات بالغة للظهور من خلال ترجمات لهم، لذلك فإن محاولة البحث في حضور الأدب العربي في العالم تستلزم بداية البحث في حضور هذا الأدب في هذه اللغات.

مشيراً إلى تجربة د.سلمى الخضراء الجيوسي، صاحبة مشروع (بروتا) و (رابطة الشرق والغرب) لترجمة الأدب العربي والتعريف بالحضارة العربية، والأثر الذي تركه نيل «نجيب محفوظ» لجائزة نوبل على طبيعة النظرة الغربية للإبداع المقبل من الشرق،.

هذا الأثر الذي تحول إلى (ظاهرة) فتحت الباب للإبداع العربي ليدخل أوروبا، لكن هذا الباب ظل ضيقاً، فلم تعتن إلا دور نشر صغيرة بالمترجمين عن العربية، وظلت الصورة النمطية للشرق هي التي تجذب انتباه القارئ والناشر معاً.

أما المحور الثاني من الجلسة فتناول «الآفاق الجديدة في بنية الرواية العربية المعاصرة» عبر الورقة النقدية التي قدمها «جيكر محمد نوري خورشيد» من سوريا والفائز بالجائزة الأولى عن فئة أدب الطفل عن قصته (ابن آوى والليث)، قارب فيها مصطلح الرواية ونشأتها وتطورها.

موضحاً أن الرواية العربية المعاصرة لا تزال نتاجاً جديداً لم ينضج بعد على الرغم من تطورها الهائل والنتاج الوفير، والبنى الفنية، المتطورة التي يتسم بها هذا النتاج في الوقت الذي تبدو فيه الحداثة في الرواية والأدب عامة لا تنطوي على قيم مطلقة ونهائية.

أو على أفضلية بالقياس إلى الكلاسيكية أو إلى التراث، إنما على خصائص تميزها عنهما وعلى السيادة في الراهن بوصفها اقدر على تلبية الحاجات الناجمة عن تطور المجتمع.

مقترحاً على الروائيين العرب، أن يجوَدا البناء الروائي بغية تجويد الرؤية الروائية أو دفعها إلى التماسك والتجانس، فالواقع الروائي العربي أصبح يملك نصوصاً تعين الباحث على استنباط الرؤيا وتجسيدها ونقدها والسعي إلى رسم ملامحها العربية، خاصة وأن النصوص الروائية العربية الجيدة أصبحت وافرة، ولكنها تحتاج إلى قراء يستنبطون رؤى الروائيين الفردية منها.

ويسعون بعد ذلك إلى تقديم معرفة علمية عما إذا كان مجموعها يعبَر عن رؤيا واحدة، يصح القول أنها رؤيا عربية خالصة، لم تتأثر بالرؤى الغربية، ولم تتلوث بداء الإسقاط.

وقد اختتمت الجلسة الثانية بمناقشات تمحورت حول الأدب العربي وإشكالية الوصول إلى العالمية من خلال نظرة الغرب لهذا الأدب والتعامل غير البريء معه.

وقد أشارت د.زهور كرام المشرف العلمي على الورشة إلى الحاجة الماسة للاشتغال على الترجمة، مع ضرورة إيجاد قنوات للتواصل على الصعيد العربي أولاً قائلة:«لا أريد أن تترجم أعمالي إلى لغات أجنبية، لكنني أريد أن تقرأ أعمالي في الخليج العربي وموريتانيا وبقية الأقطار العربية».

القصة القصيرة الإماراتية

تحدثت في الجلسة الثالثة من صباح أمس «فاطمة السويدي» من الإمارات، الفائزة بالجائزة الثالثة مناصفة عن فئة الرواية عن روايتها (أوجه المرايا الأخرى)، عن «الآفاق الجديدة في بنية القصة العربية المعاصرة»، مشيرة إلى أن القصة العربية القصيرة دخلت أفاقاً جديدة في العقود الخمسة الأخيرة.

وقد شارك القصاصون العرب في فتح تلك الآفاق كيوسف إدريس وغسان كنفاني ويحيى حقي ونجيب محفوظ وزكريا تامر وغيرهم الكثير، في الوقت الذي تصب فيه القصص القصيرة في الإمارات في هذا النهر المتدفق بين القصة العربية، ممتزجة بفنياتها الجمالية وآفاقها الجديدة.

وإن احتفظت هذه القصة بنكهتها المحلية، بما طرحته من بعض الظواهر الاجتماعية مثل العمالة الوافدة والزواج من أجنبيات والارتباط العميق بالبحر.

مؤكدة أن القصة القصيرة الإماراتية لا تتجاوز تجربتها الإبداعية ثلاثة عقود، إلا أنها أثمرت نماذج قصصية متميزة منذ بداية الثمانينات، كتجارب: عبد الحميد أحمد، مريم جمعة فرج، سلمى مطر سيف، محمد حسن الحريبي، ناصر جبران، صالح كرامة، سارة الجروان وغيرهم.

مشيرة في الوقت نفسه إلى ثلاثة نماذج قصصية ذات أفق متعدد، كقصة «غواية» لعبد الحميد أحمد وهو من الجيل المؤسس لفن القص في الإمارات، و«نافذة على القمر» لصالح كرامة من الجيل الثاني، و«ستيك» لسارة الجروان من الجيل الجديد للقصة.

وخلصت «السويدي» إلى أن هناك تنوعا في السرد القصصي الإماراتي، واستخدام تقنيات جديدة مثل استرجاع الذاكرة والمونولوج، مما أكسب السرد في القصة القصيرة في الإمارات جواً متحركاً وفضاءً للغور في الذات الإنسانية وهمومها، في الوقت الذي يعتمد فيه السرد على أجواء البحر في بعض التجارب القصصية، مما يؤكد أهميته وحضوره في الذاكرة القصصية الثقافية والجمعية.

كما يكشف السرد الإماراتي عن اهتمام ملحوظ بالشخصية وعالمها الداخلي، وتفاوت لغة السرد في القص، بين اللغة المباشرة واللغة التصويرية.

في حين تناول «عبد المنعم محمد العقبي» من مصر، الفائز بالجائزة الأولى عن فئة المسرح عن مسرحيته (اشراقة الحادي)، «التناص الإبداعي في السرد العربي المعاصر».

وذلك من خلال مقاربات مجتهدة شرح فيها مفهوم النص والتناص معجمياً، وبين المصطلحات الأدبية المعاصرة، وآليته، كذلك أبعاده ومستوياته في السرد، من خلال تناص المفارقة، والجدل، والاحتواء، والتضاد والمطابقة، والانتقال، والاتجاهات الثلاثة للتناص في السرد العربي وهي: التناص مع لغة الآخر، والتناص في السرد التجريبي، والتناص الكلي بين النصوص.

على اعتبار أن التناص آلية استدعاء لنص غائب أو لجزء منه أو لمفردات وتعبيرات شائعة، إلى سياق البناء الفني للسرد الجديد، كما أن التناص الفاعل دلالياً، يتوقف على مدى العفوية المقترنة بمجيئه إلى السرد في لحظة الإبداع، من خلال استدعاء عفوي يتم على مستوى اللاشعور بالنسبة للكاتب السارد، أي أن آلية الاستدعاء برمتها تحدث في هذا المستوى دون سواه.

ولا يقبل الوعي أو التعمد إذا ما شئنا لها الكفاءة الفنية العالية في السرد، واصفاً الفن في مجمله، بأنه «ألعاب خداع للمتلقي»، يتجلى فيه الإيهام سيكولوجياً بعالم مغاير، يقول فيه السارد ما أراده أو ما لم يرده دون تنبيه مباشر، بما يؤدي إلى سحر الدهشة وروعة الاستمتاع، بخلاف التقرير الخطابي الواعي للقول.

وهذا ما يجعل من استدعاء التناص استعراضات معرفية وزخارف تنفصل شكلياً وموضوعياً عن بينة السرد الأدبي، في الوقت الذي تكشف فيه العلاقة التناصية المركبة، عن اشتباك إيديولوجي بين المستقر والمتعارف عليه من رؤى وأفكار يحملها النص الغائب أو المتداخل بأجزائه.

وبين رؤية السارد في نصه الجديد، حيث يسعى السارد بمستوى التناص المعلن صراحة، إلى تعميق وعي شخوصه فضلاَ عن قارئه، حتى يتوحدوا مع رؤيته هو لعالم الواقع المضطرب.

أنس الأموي