في عرضه الثالث «شيترا» الذي يُقدّم في دار الأسد للثقافة والفنون بدمشق ضمن عروض المسرح القومي، حاول المخرج رمزي شقير الولوج إلى مناطق جديدة في التجربة المسرحية السورية بدءا من المضمون مرورا بأدوات المعالجة انتهاء بأسلوب العرض، فالنص للشاعر الهندي رابندارات طاغور (1861 ـ 1939)

وهي المرة الأولى التي تتم فيها مقاربة نصوص هذا المبدع الذي شكل نموذجا لوحدة الفنون، فقد كان شاعرا وموسيقيا ورساما طالما تغنى بالحب والحياة واعتبرهما الأداة الجوهرية لاكتساب المعرفة التي ينبغي أن تقود إلى الحكمة لا الحذلقة،

وإذا كان المسرح السوري قد عرف التجارب التي تقوم على أداء شخصية واحدة: المونودراما (فن الممثل الواحد) وعروض الحكواتي، فهذه هي المرة الأولى التي يعتمد فيها على شخص الراوي بالكامل، أو ما يمكن تسميته بعرض الراوي.

يقوم النص على حبكة شعرية متخلية، تحتفي بالعواطف، وتختلط في فضائها عوالم الآلهة والبشر، وهو يروي قصة الأميرة شيترا التي تشبّهت بالرجال في كل شيء، حتى فقدت كامل معالم أنوثتها، وهذه الأميرة الفارسة التي تحكم رعيتها بالعدل، ما إن تصادف الفارس أوجلا حتى تقع في حبه وتود أن يبادلها الغرام،

لكنه يأبى لأنه نذر جسده للتبتل، فتذهب إلى المعبد، وتبتهل لإله الحب الذي يهبها أجمل هيئة أنثى في المعمورة لمدة عام كامل، وبهذه الهيئة تستطيع إغواء أوجلا الذي يهيم بها دون أن يعرف شيئا عن حقيقتها،

وينقضي عام من الحب واللذات الجامحة، وبانقضائه يكون على شيترا ان تنزع عنها جمالها الآسر، وتغرق بالحزن والسؤال الجارح الذي طالما أرّقها: هل سيستمر أوجلا في حبها بعد معرفة الحقيقة؟ وبهذا السؤال ينتهي النص مفسحا المجال لسؤال فلسفي أعمق يتعلق بجدل الظاهر والباطن، الروح والجسد، أيهما الأبقى؟

وفي فضاء مسرحي اتصل فيه حيز العرض بحيز التلقي، وخلا إلا من كرسي وطاولة مستديرة، تقدّم الفنان عبد الرحمن آل رشي من وسط الجمهور، وروى تفاصيل هذا النص الجميل الذي يحتفي بالصراعات الداخلية والمشاعر والأسئلة، والذي يقوم على مجموعة من الشخصيات والأفعال التي تتوزع في أماكن مختلفة، روى الحكاية كلها بمفرده مستعينا فقط بجماليات القص وطبقات صوته المتعددة،

والإضاءة الملونة التي صممها نصر سفر، والخلفية الموسيقية التي أعدها محمد آل رشي، واستطاع الفنان عبد الرحمن من خلال الحركة في الفضاء، والانتقال ما بين اللهجة المحكية والفصحى، وما بين صوته الحي وصوته المسجل،

استطاع أن يرسم ملامح الشخوص والأمكنة، ويقيم الحوارات مستنطقا ما فيها من صور شعرية ومعتقدات وطقوس تعود إلى واحدة من أهم الفلسفات الآسيوية، هي الهندوسية.

تهامة الجندي