أكد الروائي الليبي أحمد الفقيه أن الكتابة شكلت هاجسه الدائم وعالمه الأثير منذ صباه المبكر في قرية مزدة الصحراوية النائية الواقعة جنوب طرابلس والتي ولد فيها وعاش سنوات حياته الأولى وتعلم في مدرستها الوحيدة قبل انتقاله في أواخر الخمسينات إلى طرابلس التي كانت تموج آنذاك بحركة ثقافية وفنية نشطة،
وأضاف الفقيه أمام حشد من المثقفين في قصر الثقافة بطرابلس انه يعتز بالبيئة الصحراوية التي عاش فيها وقال: «ارتبط حلمي بأن أكون كاتباً وأديباً بشكل كبير باطلاعي المبكر على المجلات والصحف الليبية والعربية والكتب التي كانت تضمها مكتبة مدرسة مزدة والتي ساهمت في تأصيل ميولي الأدبية».
مضيفاً انه «بدأ ممارسة الكتابة في مختلف الصحف اليومية التي كانت تصدر في أواخر الخمسينات وفترة السبعينات ومن بينها الحرية واليوم والحقيقة، مبيناً أن كتابة المقالة بمختلف تجلياتها الأدبية والسياسية والاجتماعية شغلت حيزاً كبيراً من اهتمامه في تلك الفترة قبل أن يقدم على كتابة
ونشر الفصول الأولى من أول عمل روائي له بعنوان (فئران بلا جحور) على صفحات مجلة (الرواد) التي لم تلبث أن توقفت بسبب ما وصفه بحالة القرف والإحباط التي اجتاحت المثقفين العرب بعد هزيمة يونيو67».
المسرح وانجلترا
الاستعراض الموجز والمقتضب الذي قدمه المتحدث لمسيرته الإبداعية كان فاتحة للحوار الذي بدأه معه الكاتب يوسف بالريش بسؤال مركب تمحور حول تجربة الفقيه في مجال الكتابة المسرحية خصوصاً مسرحيته الشهيرة «هند ومنصور»
والتي تحولت إلى عرض مسرحي ناجح قبل إنشائه لصحيفة «الأسبوع الثقافي» الأسبوعية وكتاباته المدافعة عن حرية المرأة على صفحات هذه المطبوعة تحت اسم «ليلى سليمان» والتي أحدثت وكما يقول أصداء واسعة بين النخبة المثقفة وبين أوساط المجتمع الليبي في منتصف السبعينات.
في إجابته عن السؤال الأول المتعلق بكتاباته المسرحية قال د. أحمد إبراهيم الفقيه، لقد كانت كتاباتي لـ «هند ومنصور» جزءا من مشروع ثقافي وفني كبير بدأناه وأردنا الاستمرار فيه
ولكننا اضطررنا لإيقافه بسبب عدم ملاءمة البيئة والمناخ الثقافي والفني حينذاك لمثل هذا النوع من الأعمال المسرحية الكبيرة التي تحتاج إلى جهود مادية وتنظيمية ضخمة لا تستطيع الإيفاء بالتزاماتها إلا مؤسسات متكاملة وقادرة في هذا المجال.
وأضاف ان حبي للمسرح هو الذي دفعني للكتابة في مجاله والمساهمة في تأسيس فرقة المسرح القومي بليبيا، واختيار دراسة المسرح في انجلترا والتي سافرت إليها في العام 1968، مشيراً إلى أن كبار كتاب المسرح كانت لهم في معظم الأحيان علاقة كبيرة قوية بالمسرح تمثيلاً وإخراجاً ومتابعة.
يصل الفقيه إلى مرحلة تأسيسه لصحيفة «الأسبوع الثقافي» والتي تولى رئاسة تحريرها لعدة سنوات، حيث يقول إن المثقف قد يشعر في لحظة ما انه لا يمكن له الاكتفاء بممارسة الكتابة وحدها بل عليه المبادرة إلى المساهمة في إيجاد البنى الثقافية المطلوبة والضرورية لتقدم وتطور المجتمع،
مشيراً إلى أن جيله وجيل رواد الثقافة السابقين له في ليبيا كانوا يتميزون بوعيهم وحسهم العميق والقوي بأهمية الرسالة التي يحملون لواءها. وأضاف ان العديدين من الأدباء والمثقفين دهشوا من اقتراحه بإصدار صحيفة ثقافية أسبوعية في عقد السبعينات واعتبروه طرحا غير منطقي لأسباب عديدة يأتي في مقدمتها ضعف البنية التحتية الثقافية والنشاط الثقافي عموماً،
إضافة إلى قلة عدد الكتاب، مؤكداً على أن إصراره على تحقيق هدفه بإصدار الصحيفة كان استجابة منه للتغلب على كل تلك التحديات الصعبة، حيث استطاعت «الأسبوع الثقافي» وبعد صدورها أداء دورها في احتضان حركة الإبداع وتشجيع القدرات الشابة والموهوبة في مجال الكلمة والذين أصبح العديد منهم كتاباً معروفين على الساحة الثقافية الليبية.
وأشار الفقيه إلى أن الأسبوع الثقافي كان لها دورها الكبير في إضاءة وإنارة الطريق للتحولات الاجتماعية من خلال معانقتها واهتمامها بقضايا المرأة والتي كانت تعاني من الفصل والإقصاء والتهميش في ظل غياب الوعي الاجتماعي بأهمية وضرورة دورها الحيوي في حركة المجتمع وحياته وتطوره، منوها بانه لجأ إلى كتابة مقالات باسم نسائي مستعار «ليلى سليمان» للدفاع عن قضية المرأة من خلال صوت نسائي يلامس هموم وأحلام وتطلعات المرأة الليبية آنذاك.
الهجرة والاغتراب
لا يعتبر أحمد الفقيه نفسه كاتباً مهاجراً أو مغترباً، مشدداً على أن إقامة الكاتب في الخارج بغرض الدراسة والعمل لا يمكن لها ومهما طالت المدة أن تفصله عن ارتباطه بوطنه وانتمائه لجذوره وواقعه وبيئته الأصلية وذكرياته التي تشكل وجدانه وتكوينه الأدبي، مبيناً أنه ومن هذا المنطلق فإن كتاباته كانت دائماً عن ليبيا والليبيين حتى وهو في الخارج.
وبين الفقيه أن السفر والحياة في الخارج يثريان بلا شك حياة المبدع وتجاربه ورؤاه الأدبية، كما يفتحان بصيرته وعقله على العوامل الإنسانية المشتركة بين جميع البشر والتي تنبذ وتتصدى لأي مشاعر للتعصب والعنصرية.
وعن تعدد وتنوع شخوصه الإنسانية في أعماله الأدبية أشار الفقيه إلى ان الكاتب ملزم باقتناص لحظات الضعف الإنساني والتعمق في أغوار النفس البشرية وإزاحة قناعها الخارجي الذي تطالع به الآخرين،
قائلاً :إن مهمة الأدب كشف الأعماق والغوص فى مجاهلها، وان يقدم الكاتب شخصيات هي أقوى من الحياة ومن الواقع، وهو ما خلد العديد من شخوص أعمال أدبية كبيرة في الأدب العالمي.
من جهة أخرى اعتبر أديبنا الكبير الأستاذ أحمد إبراهيم الفقيه وفى إجابته حول تساؤل عن علاقة الكاتب بالمجتمع ان الأديب هو في النهاية سيد نفسه، وهو وحده الذي يوجد ذاته.
الموهبة والإبداع هبة إلهية لا يمكن لأحد أن يسلبهما من المبدع، ومن واجب الدولة أن تنفق على الإبداع من أجل إيجاد المواطن والمجتمع المعافى، كما على الأديب المساهمة بفعالية في إيجاد المناخ الثقافي الذي يثري الحياة والمجتمع،
ومن حق الكاتب أن تترجم أعماله الأدبية إلى اللغات الأجنبية ليقدم ثقافة وحضارة مجتمعه وبلده إلى الآخرين وأن يفرض وجوده وحضوره على الساحة الثقافية العالمية.
طرابلس ـ سعيد فرحات