تتسم تجربة التشكيلية هدى الخالدي بجملة من المقومات الإبداعية، والتجريبية على مستوى آلية التعاطي مع بنية عملها الفني «التأسيس، الموضوع، الفضاء» وعلى المستوى العام الذي يُشكل المناخ البصري الذي تقدمه في أعمالها،

وهي وإن كانت تعرض عدداً قليلا من التجارب في صالة توتال آرت دبي، غير أن هذا العدد القليل من الاعمال كاف لوضعنا على محك مع السمات والخصوصيات التي تحاول هذه الفنانة اقتراحها في أعمالها.

بشكل أو بآخر يمكن القول إن تجارب هذه الفنانة تنتمي من الناحية الموضوعية إلى ما يعرف بالطبيعة الصامتة، لكن الصمت هو أبعد ما يكون عن هذه الاعمال البواحة، التي تحمل رغم السكونية التي تتسم بها حوارية واضحة، تصل حد الصخب، لكن بطريقة مواربة، غير مباشرة، ولعلها تتطلب جهدا لاكتشاف ما تخفيه تلك الاعمال من قلق وتوتر خلف تلك الغلال والكتل اللونية.

هي حوارية داخلية عميقة بين مستويات العمل الواحد، وبين مجمل التجارب المرتبطة بتيمة درامية شبه واحدة، حيث تنهض هذه الاعمال على جملة من الابعاد البحثية والدلالية في مجال علاقة موضوع اللوحة بالشكل العام،

والفضاء، الذي نراه في الغالب مساحة مفتوحة، تسبح فيها الأشكال بحرية، وقوة دافعة، تجعل من الموضوع حاضراً وملموساً، بخصائصه والفنيات التي تم انجازه وفقها، لكن هذا الفضاء يتجاوز كونه مساحة لحمل المعطيات التعبيرية في العمل، إلى كونه مساحة فنية خالصة، تجري فيها الخالدي جملة من الاشتغالات،

والدراسات البصرية، التي تعتمد على التجريد بصورة رئيسية، وعلى تقديم قراءات متنوعة في آلية التعاطي مع المستويات اللونية، والتدرجات البصرية، وصولاً نحو ذلك الألق غير المباشر، خاصة وانها تميل نحو لعبة التعتيق، وكأنها تحاول منح هذه الاعمل سياقها الزمني الخاص، إضافة إلى سياقها اللوني، والموضوعي.

الأزهار هي الموضوع الأساسي في غالبية التجارب، وهي العنصر الوحيد الناهض في جسد اللوحة، ترسمها بواقعية تصويرية، تؤسس فيها لحضور البراعة في الرسم والتلوين، والحرفية في التناول، والنسب، وفي بعض الأحيان يكون الموضوع نفسه لعبة لتقسيم اللوحة إلى أكثر من مستوى،

الاول مباشر وواضح والثاني تبرز بعض ملامحه الغائبة والمموهة في بُعد العمل الثالث، الذي يكون في الغالب قائماً على تقديم رموز مكانية، مرتبطة بذاكرة الفنانة، هذه المفردة في اعمال الخالدي، تستغلها جيداً لتدعيم مناخاتها بقوة تعبيرية واضحة،

وهي بنفس الوقت بمثابة نقطة انطلاق نحو الفضاء التعبيري الأوسع الذي يعتبر مكمن الاشتغال الاساسي، على جملة من القيم البصرية، حيث التجريد، والتأسيس لجملة من المستويات في الخطوط، والألوان، وإدارة الفراغ، الذي يمثل مساحة الدلالة، والعمق للمناخات النفسية في العمل.

تقدم هدى الخالدي جملة من الدراسات على ألوانها، وخاصة على مستوى اللون الواحد الذي تتخذه في كثير من الاوقات كخلفية لموضوع العمل، لكن هذا اللون الواحد يندرج ويتحرك أمامنا وفق عدة رؤى وتجليات تجعل منه ملفتا، ومستقطباً لعين المتلقي الذي يجد نفسه منشغلاً كلياً، في تلك التفاصيل الصغيرة التي تحفرها الخالدي حفرا،

وتبنيها بناء متماسكا، لكنها تكسر هذه البنائية بتلك الضربات، والفراغات، البيضاء، التي تعطي العمل ذلك الشعور بالفوضى المدروسة، بمعنى ان الفنانة ورغم كل الحرفية التي تتسم بها والتي تفرضها على بنية اعمالها،نراها تنقلب على هذه الحرفية بشئ من الفوضوية التي تُنعش العمل وتدعم بنيته الحيوية.

بصورة عامة يمثل هذا المعرض مناسبة للتعرف على محاولة فنية جادة، لتشكيلية تراهن على الجمال، الذي تقوده وفق الكثير من القيم التجريدية الذكية، لتقديم ما يمكن تسميته اكتشافات جمالية جديدة،ولكنه جمال مخبوء ومستتر.

حازم سليمان