استضافت السفارة المصرية في أبوظبي؛ الكاتب والتشكيلي المصري ناصر عراق -مدير تحرير مجلة دبي الثقافية- في محاضرته التي عنونها «الصحافة الثقافية في عصر الفضائيات»، حيث قدمه فيها السفير المصري محمد سعد عبيد الذي أقام على شرف المحاضر حفل استقبال حضره رجال الإعلام والمهتمون بالشأن الثقافي، وبدأ السفير كلمته الترحيبية بالإشادة بالعلاقات الأخوية بين مصر والإمارات.
بدأ ناصر عراق محاضرته بالقول: إن الحديث عن الصحافة الثقافية في عصر الفضائيات بتشعبات الموضوع المختلفة؛ هو أمر شائك، ولكني سأحاول التطرق إلى بعض العناصر المهمة التي توضح بعضاً من هذه العلاقة التي بدأت بالظهور في السنوات الأخيرة.
وحين ننظر إلى تاريخ ظهور الصحافة في العالم العربي؛ نجد أن أول بلد عربي ظهرت فيه كان مصر التي غزاها نابليون بونابرت عام 1798م، وأمر بنفس العام بإصدار صحيفة ناطقة باللغة الفرنسية بعنوان «بريد مصر» كانت توزع على الجيش الفرنسي في مصر وتنقل أخبار وتحركات الوحدات الفرنسية بمصر، وبعض المواضيع الأخرى.
وفي عام 1828م صدر العدد الأول من جريدة «الوقائع» المستمرة لغاية الآن وهي تنقل القرارات والأخبار الرسمية للدولة، وأشرف على رئاستها المفكر «رفاعة الطهطاوي» ما بين أعوام 1842-1849م.
وكانت فترة رئاسته بذرة أولى لظهور ما سيسمى لاحقاً بالصحافة الثقافية، حيث نشر قصيدة في صدر الصفحة الأولى، ثم أعقب ذلك ما كانت تنشره صحيفة «الأهرام» من قصائد لأحمد شوقي في الصفحة الأخيرة من كل عدد.
من رفاعة الطهطاوي وقصائد أحمد شوقي التي تعتبر المحطات الأولى للصحافة الثقافية في العالم العربي؛ انطلق «ناصر عراق» عبر الزمن إلى العصر الحالي وحال الصحافة الثقافية فيه؛ حيث قال:
يمكن القول أن الصفحة الثقافية في أغلب الصحف العربية هي «كبش الفداء» الدائم مع ورود أي إعلان للجريدة أو المجلة؛ وسط عالم عربي تزيد نسبة الأميين فيه على الربع -حوالي سبعين مليون شخص- أضف إلى ذلك أزمة أخرى تتعلق بتضحية القائمين على المؤسسات الإعلامية بالصفحة الثقافية -إن وجدت- في حال ورود أي طارئ.
أو إعلان أو تغير في سياسة الوسيلة الإعلامية، كما أن الطامة الكبرى تتضح في عدم إدراك القائمين على الصفحات الثقافية أنفسهم بأهميتها، يضاف إلى ذلك تعالي الخطاب الثقافي الموجه للقارئ في هذه الصفحات.
وتكلفه وتصنعه، وأعتقد أن الوضع الحالي يؤكد أن الكثير من المجلات والإصدارات الثقافية مهددة بالتوقف، لعدم توفر «الإعلانات الكافية» لتغطية نفقات تلك الإصدارات، حيث أن الوكالات الإعلانية لا تعطي إعلاناتها لهذه الإصدارات لأسباب مختلفة.
وأضاف »عراق»: منذ عام 1990م التي صادفت ظهور البث الفضائي والانتقال إلى «عصر الصورة» بمعناه المتكامل، أحصينا وجود 80 فضائية عربية تكاد البرامج الثقافية فيها تكون معدومة؛ أو أنها إن وجدت تكون برامج معدودة على أصابع اليد الواحدة.
وقد استولت الفضائيات على عقل الجمهور، وأوصلته إلى رؤية لا يتقبل من خلالها أي شيء غير مصوّر، بينما لم يدرك القائمون على الصحافة الثقافية المتخصصة أهمية الانتقال الذي ظهر في الذوق العام العربي والعالمي فيما يخص الصورة والكلمة.
وظلّ أغلبهم يقدم الثقافة «معلبّة» بعلب الماضي وكأنه يخاطب نفس الجيل الذي كان يخاطبه في ستينات القرن الماضي، أو عصر «أبولو» و«الرسالة».
تجربة «دبي الثقافية»
ثم تحدث «عراق» وما قاله عن تجربة «دبي الثقافية» مقارنة بالتجارب الأخرى في حقل الصحافة الثقافية، حيث قال: لقد اعتاد الناس أن تكون الإصدارات الثقافية دون صور وبمواضيع محدودة الأفق على مفهوم الثقافة الشامل، مع رداءة الطباعة والورق أيضاً.
مما جعل الناس يحكمون مسبقاً على الإصدار الثقافي ويضعون له تصوراً ذهنياً نمطياً لا يتغير، كما أن الإخراج الصحافي وتبويب الإصدار الثقافي ظل كما هو ولم يتحرك قيد أنملة من مكانه.
وهذا ما دفع إلى إغلاق العديد من تلك المجلات والإصدارات بعد أن أفلست مادياً، وأفلست بإبعاد القارئ العام عن هالتها المفترضة، فقبل مدة استغاثت مجلتا «دار الآداب» البيروتية و«سطور» المصرية لإنجادهما من الإفلاس المؤدي للإغلاق والحجب.
وفي هذا الصدد اخبرني الأديب «جمال الغيطاني» بلسانه أن «أخبار الأدب» تعتمد في تمويلها على إعلانات وموارد «أخبار الحوادث» الصادرة عن مؤسسة «أخبار اليوم»، وهذا غيض من فيض مما يحدث في كواليس الصحافة الثقافية.
عرب ويهود
من باب التنكيد على القارئ ليس إلا؛ ننقل بعض المعلومات التي ذكرها «ناصر عراق» في محاضرته، مقارناً بين الوضع في الكيان الصهيوني وما يناظره في العالم العربي.
حيث ذكر «عراق» المعلومات التالية التي تعود إلى التقارير الدولية لعام 2004: 36 مليون كتاب يتم بيعها في الكيان الصهيوني سنوياً، صدور 11959 صحيفة ومجلة في نفس العام، صدور أكثر من 8 آلاف عنوان جديد بلغات متعددة في نفس الكيان.
بينما يبلغ عدد المجلات الثقافية في العالم العربي حوالي 10 مجلات -بعضها مهدد بالإغلاق والإفلاس- وأمية بلغت ذروتها في القرن الحادي والعشرين. وأضاف المحاضر:
إن لم نهتم جدياً بالثقافة فلن تقوم للأمة قائمة، وإن لم نهتم بالصفحات الثقافية فسنخسر الكثير، وأعتقد أن زمن «الرسالة» للزيات و«المقتطف» و«أبولو» في صورها التقليدية قد انتهى إلى غير رجعة.
وتساءل «عراق»: من الذي يتحمل مسؤولية الكارثة الثقافية التي تمر بالعالم العربي؟ وأجاب: أعتقد أن جميع المؤسسات الإعلامية والتربوية وأجهزة الدولة تشترك في نسج هذه الكارثة، فلا يوجد هناك خطط حقيقية للقضاء على الأمية، ولم يفتح الباب بصورة جادة للتعبير عن الرأي، وتفشي الفساد ورداءة ما يقدم في الصحافة الثقافية نفسها أسهم بابتعاد القارئ العام عما يدور فيها.
أبو ظبي ـ محمد الأنصاري:
