اعتمدت القصة القصيرة - منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى الآن ـ على الجماعات المغمورة، وقبل ذلك كانت الرواية والقصة وكل الفنون الأدبية، تتحدث عن ممثلي الإنسانية، وهم الأثرياء ذوو النفوذ والطبقات الفاعلة ذات التأثير في المجتمع، ثم أصبح الإنسان ـ الفرد ـ مهمشاً، وفق قرارات تتخذها أقلية في الاقتصاد والسياسة.

وأمام المؤسسات الضخمة الحديثة، لم يعد الفرد مؤثرا فاعلاً، على عكس الماضي، حيث كان باستطاعة الفرد تغيير أوضاع في مجتمعه، ومن هنا جاءت الكتابات التي تعنى بالتعبير عن البطل «المهمش» وشؤونه الخاصة.

وما يعتمل داخل ذاته، وهذا المنحى تعاظم دوره في الرواية والقصة والشعر، فقد كتب «يوسف إدريس» ـ مثلاً ـ عن خادمه أو عسكري مراسلة أو بواب وامرأته، وسكان القاع، والأم وبناتها في قصة «بيت من لحم»، ولم يكتب عن أبطال إيجابيين يملكون قوة فاعلة، بل عن الذين لا يمارسون التأثير.

وهذا الاتجاه استفحل هذه الأيام.

ولم يعد قاصرا على الشخوص المهمشة التي يتناولها المبدع في عمله، بل إن المثقف نفسه صار هامشيا، بظهور نماذج أخرى أخذت دوره في غمار الإعلانات والمسلسلات والأفلام، ولم يعد المثقف ضمير أمته كما كان في الماضي، وأصبحت الكتابة أشبه بالسير الذاتية.

ومواصلة اتجاه التهميش نحو «الجماعات المغمورة».. فإذا كان المثقف الآن يعيش في الأركان والثقوب، فإن الروايات ـ في الغالب الأعم ـ تتحدث عن فرد بعيد عن الفاعلية، لا تعنيه القضايا السياسية والاجتماعية، بل هو معني بتفاصيل حياته. الخاصة ومشاعره الجسدية، وإلا ما سبب انتحاء معظم الإنتاج الحديث نحو ذات هامشية.

القصة والرواية أكثر الأشكال الأدبية اهتماما بالمهمشين، باعتبارهما فنين تاليين للشعر والمسرح، حيث كان الأخيران يحلقان في فضاءات ملحمية وأسطورية، ويبحثان دائما عن أبطال «فولاذيين»، ذوي قدرات هائلة على مواجهة الصعاب والمحن، بينما انحازت فنون القص للتعبير عن الواقع الإنساني، لفئات لم تحظ من قبل، بكل هذا الحضور داخل النص الأدبي.

وعبر متواليات الانتقال بين الكلاسيكية والرومانسية والواقعية والحداثة، لم يفارق الخطاب القصصي درجة ما من التوجه والانحياز لفئات المهمشين، وإن كان ثمة تركيز على بطل «صاعد»، يتطلع دوما لارتقاء سلم التحقق وربما يسقط أو يكتب له الانتصار.

وإذا سلمنا بوجود تعريف محدد للهامش، بأنه الإزاحة، أو الإقصاء الجبري عن «المتن»، فهذا لا يعني بالضرورة أن المهمشين يعانون من الفقر والعوز، وإن كان الأخيران هما القسمة الرئيسية لدوافع التهميش.

ويحدث أيضا أن يكون هناك نبيل أو قديس يعاني من التهميش، أو يكون ذلك مرحلة مؤقتة أو منفى اختياريا أو مرحليا أو جبريا، وهنا تبرز مقولة شكسبير الخالدة التي وردت على لسان هاملت : «أكون أو لا أكون تلك هي المسألة»..

شعارا مفتوحا على نزعات إنسانية متباينة، تتضافر في البحث الدائم عن حضور مغاير، ورغبة أكيدة في الانتقال من حالة الحلم إلى التحقق، وغالبا ما يعجز هؤلاء عن عبور هذا «العائق»، ليتجلى «القمع» و الذهنية المحدودة كدرجات للإقصاء والإزاحة عن «المتن» الحياتي.

ولا يمكن بحال الإحاطة - في سطور - بالمشهد الكلى لقصص وروايات تناولت المهمشين، وإن كانت ثمة نماذج بارزة في تاريخ الإبداع، فهناك أعمال ديستوفيسكي، وجوركي وتشيكوف وهيمنجواي ومورافيا وكامي وهنري ميللر.

وكلها احتفت بشكل أو بآخر بنماذج من بشر عاديين «مهانين» دائما على المستوى المعنوي والمادي، بل إن بعضهم يحمل بين طياته مشاعر وأحاسيس عبقرية، ولكنها لا تمنحه قدرا من التواصل الفاعل في مجتمعه، وبذلك قد يلجأ البعض للانتحار أو الاستسلام للعجز، كإشارات إدانة لواقع لا يحقق لهم الإنصاف والحضور الطبيعي.

وقد كرس العديد من الكتاب إبداعهم، ليعبروا عن تلك الفئات، وأضاؤوا الدوافع المحركة للإزاحة من «المتن» إلى «الهامش»، ومن هنا ظهرت مجموعة من الأبطال يطاولون قامة هاملت، وعطيل وأوديب وأرفيوس، وسائر الملوك والنبلاء، الذين يواجهون المأزق التراجيدى.

أو يصارعون قوى أكبر من طاقة احتمالهم، لعلهم يظفرون بخلاص نهائي من تلك العذابات المقدسة، التي تتسم بالقدرية والتباعد عن ملامسة تفاصيل الواقع الحي بزخمه وعلاقاته العادية، وإذا انتقلنا إلى الإبداع العربي سنجد كتابا عديدين احتفوا بهذا النموذج «المهمش».

ووجدوا فضاء مفتوحا أمامهم، للتعبير عن الهم الإنساني والأحلام والهموم والإحباطات، مثل نجيب محفوظ ويوسف إدريس ويحيى حقي والغيطاني وأصلان وخيري شلبي وصنع الله إبراهيم وغيرهم.

ولكن ثمة أسئلة تسعى للحضور، حول اختلاف دور «المهمش» بين إبداعات الماضي والحاضر، فإذا كان «دون كيشوت» هو أحد المهمشين الذين صارعوا طواحين الهواء، وحلقوا في حلم الارتقاء، فكان فارسا ونبيلا لا يبالي بالأخطار، ويتقدم الصفوف ليخوض حروبا «وهمية» ويحقق الانتصارات، ويلحق الهزائم بالأعداء..

فهل ثمة انتباه، أو وعي لدى «المهمش» الآني بضرورة أن ينفض عنه أحلام اليقظة، ويبحث عن دور فاعل ؟، وماذا عن اختلاف الرؤية وتجدد المعطيات، والتي تنعكس بشكل أو بآخر على الإبداع ؟

ووفق تراكم خبرات الكتابة، قد يطفو النبلاء على السطح، «المتن» أو يحدث العكس تماما، نتيجة لانحياز الكاتب، وعلى القارئ أن يتقبل هذا دون تعليق، باعتبار أن الرؤية قد ظهرت قبل قرنين من الزمان.

والقصة أيضا باعتبارها فن الكتابة الأدبية في القرن العشرين، بما التزمت به من كثافة، والتقاط موحى لتفاصيل الواقع المعيش، فهي الفن المرشح بقوة للاستمرارية والحضور خلال قرون مقبلة.

صرخات المهمشين

إن البطل المهمش عند نجيب محفوظ - مثلا - هو سعيد مهران في «اللص والكلاب»، ومحجوب عبد الدايم في «القاهرة 30»، وكلاهما تحول إلى مجرم وانتهازي، تحت وطأة المطاردة والقهر، أما البطل المهمش الآن، فهو ما يشبه الروح العدمية «العبثية».

وإن كان في نهاية الأمر يرفض أو يدحض هذه العدمية، لمجرد وجوده، باعتباره كيانا نصيا مكتوبا، وبالتالي فهو مهما كان خفوته أو ضعفه صوت مدوي وصارخ، ويدعو إلى كل القيم الإيجابية. إذن فقد كان البطل المهمش « القديم» تعبيرا عن اللحاق بركب الطبقات البورجوازية، واقتسام غنائمها في نهاية العصر الليبرالي المصري.

أو ما يقابله في البلاد العربية، أما المهمش الآن عكس ذلك، فهو يدخل في آلية اجتماعية شاملة، تنطوي على تهميش الثقافة الحقة والفكر، ولا يشارك في صنع القرار الاجتماعي، ومن أشهر النماذج ما كتبه صنع الله إبراهيم ـ تحديدا ـ في روايتيه «تلك الرائحة»، و «اللجنة».

وإذا كان بطل صنع الله إبراهيم، هو نموذج للمثقف المغترب، وهناك في داخله يكمن الجرح وهوة فاصلة «شرخ» بين أهمية حضوره وإقصائه في آن، فهو أبعد ما يكون عن «الانتهازية»، حيث ينخرط في نسيج حياة تلفظه دوما، لا يتوافق معها، ولا تلبى احتياجاته الذهنية أو الجسدية، ولا يستطيع أن يجد فيها مكانا آمنا، إلا إذا التزم الصمت.

وبذلك تأرجح «التهميش» بين المنفى الاختياري والجبري، ولكنه في الوقت نفسه يسعى للفهم واكتمال الوعي بالمعطيات التي أنتجت هذا «الشرخ»، وهنا تبرز قوة الذات أو ضمير المتكلم الذي يرصد ويحلل، كحائط صد أمام تصدع قد يفضي إلى انهيار مواز لحالة الإقصاء والتهميش.

محنة العمى وربما كان نمط «المثقف المهمش» بمأساته، لا يشكل هذا الحضور بالنسبة لأعمال كاتب آخر هو إبراهيم أصلان، الذي قدم خلال أعماله المتميزة «بحيرة المساء»، و «يوسف والرداء» و «مالك الحزين» و «وردية ليل» نماذجا للمهمشين، داخل الأحياء الشعبية، هؤلاء الذين يحلمون ويبحثون عن الحضور والتحقق.

ولا يبالون بعجزهم الاجتماعي أو الجسدي، مثل الشيخ يوسف بطل «مالك الحزين..الرجل الكفيف الذي لم يفقد بصيرته وجموحه في التحليق وتجاوز محنة العمى.

إن ولع «أصلان» يكمن في رصد تفاصيل الحياة اليومية، ومتابعة خلق الله الذين يخوضون صراعا يوميا من أجل مواصلة حياتهم، فهو لا يكتب عن حياته الخاصة، وإنما يكتب إبداعا يعاون الآخرين على أن يفكروا ويتخيلوا لأنفسهم.

سارق الفرح

أما الروائي خيري شلبي، فهو صاحب العديد من الأعمال، التي تناولت حياة المهمشين في فئاتهم المختلفة، فلا نجد عنده سوى نماذج «تحتية»، تمور داخل النص بأحلامها ورغباتها الدفينة، وقد لا يتدخل الكاتب أو يتورط في النص، مثلما فعل في قصته الرائعة «سارق الفرح»، حيث يقوم «الراوي» بسرد أحداث القصة.

وهو أحد الأبطال المهمشين، تكرر ذلك في أكثر من عمل مثل قصة «ديك الجن» التي تدور على لسان عامل بسيط، وحتى تلك القصص التي تطابق فيها صوت الراوي مع الكاتب إلى حد بعيد، سنجد نموذجا للمهمشين، سواء بوعي طفل صغير، أو شاب تائه في ميادين العاصمة، سنجد مفلسا يطرق الأبواب، ولكن تمنعه «ذاته» من أن يطلب مالا من قريب له.

وإذا كانت مرجعية الكاتب هي التي تحدد خبراته وتوجهات الكتابة، فإن القاص سعيد الكفراوي، قد ولى ظهره للمدينة، ليكتب عن الريف المصري، ويرصد أحلام الصغار وألعابهم الطفولية.

وانفجار الرغبات، والقسمات الصارمة التي تشكل الشخوص، وقد نجد هذا الوأد للبراءة أو السحق من قبل سلطة غاشمة لا ترحم، مثل «ستر العورة»، أو «سدرة المنتهي».

وإذا نظرنا إلى تجربة الكفراوي سنجد أن بعض القصص قد خرجت من خلال تجارب المدينة، فها هو البطل الصغير يرصد تجربته الأولي في مشاهدة «السينما» في المدينة القريبة من قريته، وهذا السحر الذي غيبه عن الوجود لمرأى هذه الصور الملونة، في الصالة المظلمة، كما جاء في قصة «لص بغداد».

القاهرة ـ «البيان»