مع اشراقة كل يوم، يطوي الفلاح العربي عصامته فوق رأسه ، يسحب ثور المصير من حظيرة الصبر ويرفع محراث الأمل، ومعا يجددان الأرض التي يسيل لها لعاب الغزاة حتى وهي جرداء.

تسقي الفلاحة العربية دالية البيت وهي تغني لصباح سيأتي، ومن فمها تخرج الفراشات البيضاء لتملأ الوديان والمنحدرات، وفي البعيد يتكاثر الصدى في القرى النائمة وتستيقظ شيئا فشيئا ثعالب الغدر.وعند الظهيرة يتغير لون الفراشات الى الأحمر ، ومطر السماء الى عرق.

يلمّع الموظف العربي حذاء مجده ويخرج مبتسما الى وظيفة الروتين، زملاؤه في مهنة المجد يرددون معه نشيد الذكريات ومواويل الماضي الذي هو الآن، وفي جميع المؤسسات يصبح الأرشيف بوابة التعاملات اليومية وعتبة الاقصاء العبثي للعقول والآمال والرؤى.

باستقامة منحنية، يقف الجندي العربي يوميا في طابور الكرامة الطويل، يرفع رأسه عاليا ليراقب عصافير الاعداء وهي تحوم حول حلمه بالنصر، البندقية اللامعة على كتفه الايمن مجرد رمز لصدأ الرصاص، وشعار الحرية المدبوغ على جبينه هو في الحقيقة شعار السجن، المعركة هي مع المرآة، الجيوش قطيع تائه، والحرب ذاكرة في مهرجان.

حاملا كتب التاريخ، متفاخرا برنين المعنى واستقامة الكلام في الحلوق الجافة، انه المدرس العربي، الناطق بلغة الضاد التي منها تم اشتقاق الضد، في كل صباح يحمل طبشور الوضوح .

ويكتب عن الاستعارة والتشبيه والتورية، ومن تلك المعاني يبدأ الارتباك في دفاتر الطفولة، ثم يمتد الوجع إلى كرسي الامتحان، ثم تكبر الرجفة في القلم الخائف ويميع الحبر ويسيل مبللا البياض الأول للعقل.

بلافتات عريضة كتب عليها (المصداقية ـ الحقيقة ـ الدقة) يبدأ المذيع العربي نشرة أخبار الحال، الجلاد يزور ضحيته في مستشفى الألم ويمنحها وردة الهلاك، الممرضات يرقصن لكل ميت والأطباء يدقون طبول الغيبوبة، وفي أحوال الجو: الشمس خجولة مرتبكة والبحر في صراع دائم مع الريح.

بابتسامة يغار منها الأمل، باندفاع حر لا يصد، يركض الطفل العربي ويدخل في دخان المستقبل منتميا إلى لذة الوجود، الأوطان كلها مغلقة أمامه، لكن قلبه مفتوح وعيونه براقة في اشراقة الوعد، يركض الطفل العربي ، يقفز في سماء الغد متسلقا جبل النهايات الصعب، لا سماء تحده ولا ارض تنفيه.

akhozam@yahoo.com