من يتعاطى مع كثير من شعر ها لابد ان تقفز الخنساء إلى مخيلته، تنحاز إلى الشكل العروضي للقصيدة، ذات النفس الملحمي. إعلامية وشاعرة؛ أحرزت العديد من الجوائز، وحظي شعرها بدراسات نقدية وأدبية في عدد من الصحف والدوريات الثقافية العربية، أصدرت أربعة دواوين شعر «عش للقصيد» و«في الساحل يعترف القلب» و«مدن المنافي» و«وهتفت لا».
إنها الشاعرة السودانية روضة الحاج في حوار مع «البيان» حيث تنهمر الذكريات بداية حول الخنساء فتقول: أشعر بالزهو عندما اتذكر تماضر بنت عمر (الخنساء)، وكيف اعتُذِر لها؛ بأنه «لولا أن أبا بصير سبقك؛ لقلت انك أشعر الناس» ودائما عندما تطرح قضايا تتعلق بالادب النسائي، والادب الذكوري.
وإذا ما كانت المرأة مخولة لدخول مدينة الشعر؛ مباشرة تقفز إلى خاطري هذه المرأة؛ بكل جبروتها الإبداعي، وهي تجلس في سوق عكاظ تحكّم بين الشعراء؛ فتقول لمن أجاد أنت جيد.
وتكون هذه شهادة له يحملها ويفاخر بها الناس. فالخنساء كرمز ثقافي؛ انتصر دائما للمرأة المبدعة؛ منذ ذلك الزمان الغابر؛ ونحن لم نزل بصدى انتصارها ذاك.
وذلك يؤكد ان حضور المرأة في مدينة الشعر أمر شرعي؛ تحكمه ذات الضوابط التي تحكم دخول الرجل المبدع، وانها قادرة على العطاء والابداع، وان الشعر ليس شأنا ذكوريا كما يدعي كثير من الشعراء.
ـ هل ظلمت الخنساء برأيك؟
ـ أنا لا أتصور أبدا أن المرأة التي حكّمت لكل الشعراء، ومُنحت هذا القدر من التقدير الشعري ليرضى بها الرجال حكما؛ قصائدها انحصرت فقط في ما قالته في اخيها صخر. بالتأكيد إن الخنساء كتبت شعرا كثيرا، ولكن لان المؤرخ والمدون هو دائما رجل؛ أتصور انه قد اهمل هذا الشعر.
كذلك لا اتصور ان كل التاريخ والارث العربي قد قدم الخنساء فقط؛ بالتأكيد هنالك شاعرات كثيرات لان في بعض المصادر يقول أبو نواس حفظت لمئة من الشاعرات النساء، ثم قرأت لكذا وكذا؛ فأين هؤلاء المئة من النساء؟
مؤكد؛ ان تلك الخيام العربية كانت تشهد الكثير من الشعر الجميل، وأن أمسيات الصحراء العربية قد أسهمت فيها المرأة بقدر وافر وكبير من الشعر الذي لم يصل إلينا، والخنساء لأنها حالة اقتلعت لنفسها هذا الحق في أن يصل بعض شعرها وليس كله إلينا؛ فقد وصل رغم أنف الراوي الرجل.
ورغم أنف المؤرخ الرجل ورغم أنف الذاكرة الذكورية التي شاءت أن تحتفظ بما كتب الرجال، وتنسى ما كتب النساء. هنالك دائما أسباب إما سياسية أو غير ذلك؛ ليذكر بعض القليل الذي قالته تلك المرأة أو هذه.
إن الإرث العربي ليس باستطاعته أن يستعيد ما قالت النساء وذهبت به الريح وأنكره الرجل؛ لكن من المؤكد أن هنالك شعرا نسائيا كثيرا؛ قيل في الجاهية وفي صدر الاسلام وفي الدولة الاموية والعباسية ولم يصل إلينا؛ لان الرجل لم يرد له ان يصل.
ـ هل حسم الجدل في من يسمح ومن لا يسمح له بدخول مدينة الشعر من النساء؟
ـ لا أدري، واستغرب أحيانا؛ عندما أتأمل المشهد، واتهامات تكال لنساء أبدعن، وأعطاهن المتلقي شهادة الجدارة؛ لكن يسرع الرجل - المبدع تحديدا - إلى إنكار هذا الإبداع.
ونسبته إلى رجل آخر، وهذا يصور عمق الكارثة؛ لكني اتصور انها غيرة الرجل المبدع من المرأة المبدعة، واحمد للمتلقي الذي هو الناقد الاول - في ظني -انه ظل إلى حد كبير يتعامل مع النساء بكثير من الحياد، وبكثير من الاحترام، المتلقي لا يهمه الا ان يقرأ عملا جيدا؛ سواء أكان الكاتب رجلا أو امرأة.
والقضايا التي تثار في كتابة النساء لا تصدر إلا من المبدعين الرجال؛ لذلك أتصور أنها محدودة، ومعروفة المصدر. لأن النساء قد استطعن ان يثبتن ان المراة المبدعة امرأة تستحق ان يتوقف عندها القارئ، ويقرأ لها.
والاسماء كثيرة في خاطري الآن لمبدعات روائيات وشاعرات؛ وحتى لكاتبات اعمدة في صحف وفي مجلات انتظر انا بفارغ الصبرصدور العدد المعين لأقرأ أعمدتهن المسؤولة والجميلة، والتي يلاحظ فيها مهنية عالية لا تخفى على فطنة القارئ الذكي .
ـ ما هو موقفك من قصيدة النثر؟ وهل هناك موقف عام في السودان لتكوين جبهة للتصدي لمثل هذا الفن؟
ـ لا أنكر أنني توقفت أحيانا لبعض قصائد تندرج تحت هذا الاسم؛ لأنني أحسست ان فيها شيئا جميلا؛ لكن الذي أنكره على هذا النوع من الكتابة؛ أنه لو جاء تحت مسمى آخر لقبلنا به؛ لكن ان تسمى قصيدة، ويكون نثرا فهذا في رأيي غير مقبول، وأتساءل لماذا يصر اصحاب هذه القصيدة على ادراجها تحت مسمى شعر؟!
وفي ظني؛ ان القصيدة العربية ان لم ترتد ثوبها العربي فهي لا تستحق ان امنحها بطاقة دخول إلى مدينة الشعر أبدا، وهذا الثوب العربي هو بالتحديد الوزن الشعري.
وليس غيره. وان لم تطربني القصيده بايقاعها الذي ينتمي مباشرة إلى الخليل بن احمد الفراهيدي فانا لا استطيع ان اصنفهاعلى انها شعر أبدا بعد ذلك تأتي المراحل الاخرى المتعلقة بالمفردة والصورة والعناية بالقصيدة وصدق العاطفة فيها كواحدة من اميز المميزات الصدق في القصيدة فما يسمى بقصيدة النثر تفتقد إلى هذا؛ فهي تأتي لابسة جينز أحيانا، وغير ذلك.
وهذا لا يمنحها حق الدخول إلى خيمة الشعر العربي. في السودان الذائقة العامة ميالة إلى ما هو موزون. لكن هذا لن يمنع وجود بعض الاصوات هنا وهناك تتعاطى مع هذا الشكل من الكتابة.
حوار: فاطمة محمد الهديدي