إن تناول عملية التأثير والتأثر في ظل التثاقف الحداثي وما بعده بات شائكاً ومربكاً وخاصة في مجال الشعر، فقد وصلت عملية التأثر عند بعض «الشعراء» إلى درجة الاقتباس السافر الذي يمكن أن يوسم بالسرقة الأدبية، وعند البعض الآخر إلى كتابة الشعر من الشعر، أو فبركة انزياحات شعرية تبعدهم عن بيئتهم وقرائهم .

ما يميز الشاعر إبراهيم محمد إبراهيم عن أبناء جيله أنه واكب مستجدات عصره، وطور أساليبه وأشكاله وأبنيته الشعرية، واستفاد من قراءة تجارب الآخرين .. لكنه ظل ابن بيئته، ليس بمفرداته وحسب، بل برؤياه وأحاسيسه وتعلقه الفطري بالمكان، المكان بمفهومه الإنساني، من دفء حيطان البيت إلى ظلال نخلة إلى ذكريات طفولة إلى لحظات عشق وسمر وسهر .

وإن كانت كل أعمال الشاعر إبراهيم تدلل على ذلك، فإن القصيدة الديوان: خروج من الحب.. دخول إلى الحب، تشكل النموذج الأوضح، وتجسد تجربة مغايرة للشاعر، كونها تتضمن عواطف وحنينا للوطن من خارجه.

وتؤسس لارتباط جدلي ووثيق بين الشاعر وانتمائه لوطنه، بكل المعاني الإنسانية للانتماء، مما يمنحه دفقاً شعورياً متواتراً، وقدرة على نظم قصائد متألقة في وحدتها بين الشكل والمضمون، عذبة في انسيابيتها مدروسة تضفي عليها التلقائية عفوية صادقة.

وطزاجة لغوية وتعبيرية تعطي للشاعر وتأخذ منه خصوصيته .. ولكن هل زعزعة تلك العلاقة الوثيقة بين الشاعر وانتمائه يخلخل كل ذلك ويوقع الشاعر في إغواء الكتابة بقرار؟

القصيدة تحكي عن سفر الشاعر إلى مكان ما، أو دولة ما، لا يوضح بدقة أجواءها أو معالمها حتى يتثنى للقارئ معرفتها دون تسميتها، لأنه في الأساس كان يبحث فيها عن أي نقطة ارتكاز لتداعيات ذاكرته المتجهة بوصلتها إلى أحبة الوطن.

أرفعُ الآنَ رأسي قليلاً من الحبّ /ماذا أرى .... ؟ / صوتُها يتسلّلُ مُرتعشاً / في عُروقِ المطاراتِ / يلهثُ مثلَ خُطايَ .. / ممرّاتُ هذا الرحيلِ طِوالٌ / وصبري قليلْ.

إذا كان الحديث عن التفاصيل اليومية يبين قدرة الشاعر على الكتابة عن أي شيء، وبلغة شعرية رشيقة، إلا أنها في هذه القصيدة لم تكن مكثفة أو موحية، ترقى إلى مستوى كتاباته الأخرى، قد يكون عزاؤنا إن ثمة طابعا قصصيا وأحياناً حواريا للقصيدة.

وثمة ضرورة لربط المقاطع، لأن الشاعر قسم قصيدته إلى سبعة أيام، يحكي فيها عن تفاصيلها بتراتب فيه شيء من أدب الرحلات ووصف للأمكنة.. لكن التباين بين سطر وآخر أحياناً يؤثر على الجوانب الفنية والبنائية للقصيدة، خاصة أنه يظهر بوضوح ما يحاوله من تطريز لبعض المقاطع بسطر أو جملة تنتمي إلى شاعريته المعهودة، كما في نهاية هذا المقطع :

سنذهبُ بعد قليلٍ إلى البحرِ / سائقُنا يتأهّبُ / والأهلُ ينتظرونَ الإشارةَ/ قال هلُمّوا .. فقمنا .. / ركِبنا / وساق بِنا في الطريقِ الطويلِ.. وصلنا / تحرّكَ قاربُنا .. وتبسّمَ كُلٌّ على قدْرِ فرحتِهِ / ثُمّ عُدنا ..

ولا يتوقف الأمر عند ذلك، فثمة مقاطع لا ترتبط باليوميات، ولا بالتفاصيل، لكنها تدخل ضمن التركيب الكلي للقصيدة، ويتم اختيار مفرداتها بعناية، ويشكل تراتب كلمات الجمل فيها انسيابية تمنحها موسيقاها الداخلية، وتمنح قارئها رؤية ما، لكنها تبدو عادية وممجوجة وأحياناً ثقيلة... وكأنها كتبت بقرار :

أرقُبُ الشّمسَ من خلفِ هذا الزّجاجِ / تُدَلّي جدائِلَها الذّهبيّةَ فوقَ الجِبالِ / وتَغمِزُ للقمَرِ المُتثاقِلِ / أنْ جاءَ دورُكَ .. / يا أيّها القمَرُ المُتثاقِلُ / مُنذُ أتيتُ إلى هذه الأرضِ / يّعتُ أيّاميَ القمريّةَ / في سيحِنا القَمَرِيِّ هُناكَ .. / فهلْ سوفَ تظهرُ مُكتمِلاً، / أم ستودِعُ نِصفَكَ في شارِعٍ / تتداعى إليهِ طُيورُ الجِنانِ / وتأتي بقلبٍ كقلبي / على قلقٍ / بينَ بينْ ؟

هذا لا يعني أبداً أن ليس في القصيدة مقاطع رائعة تظهر براعة الشاعر في سبره لأغوار ذاته في علاقته مع الطبيعة والأمكنة والناس، وفي تداعيات الذكريات وتجليات الحنين، وتجسيد لحظات للعشق بتفاصيلها البسيطة والعميقة في آن.

بدءاً من عنوان القصيدة تتجلى سطوة المكان على الشاعر، فالخروج من الحب، تبعه مباشرة الدخول إليه، بعد سفر لم يتجاوز السبعة أيام، تكثف عنه ديوان عن سبعة سنين شوق لمكان الأحبة ز كُلُّ شيءٍ كما كانَ / إلاّ السّبيلُ الذي كاد ينسَدُّ دونَكِ / أمسى رحيباس ..

وتتجلى في تداعيات الذاكرة المتتالية، أكان بسبب نقاط ارتكاز من الحاضر تعيد الشاعر إلى الماضي، أو كضرب من ضروب الشوق، وهذا ضمن البناء الدرامي للقصيدة/القصة من جهة، ومن جهة ثانية تتجلى سطوة المكان في إخلاص الشاعر الدائم لبيئته، أكان في استخدامه للمفردة في سياق التداعي أم في سياق الوصف أم بين ثنايا سطور القصيدة ككل :

أُغالِبُ ظنّي / وأُبعِدُ عنكِ قليلاً / لأُدنيكِ مِنّي.. / وأرفعُ رأسي من الحُبِّ / علّي أراكِ إزائِيَ ترتفِعينَ / لِنُشعِلَ خارِجَ هذا الهُيامِ هُياما / ونبعثَ في صمتِنا، / من هشيمِ الكلامِ كلاما .. / أنا العُشبُ، / يصفرُّ / كيْ يستفِزَّ كوامِنَ جذوتِهِ / في ربيعِكِ / فلتهنئي يا خُزامى .. / أنا العُشبُ، / تكفيهِ زخّةُ حُبٍّ ليخْضَرَّ / تكفيهِ نسمةُ صيفٍ لِيصْفَرَّ / يكفيهِ مِنْكِ القليلْ.

لا يكمن انتماء الشاعر إلى بيئته في اختياره لمفردته من عمق الصحراء «زهرة الخزامى»، وحسب، بل في آلية التعبير عن جدلية العلاقة بين الحياة والموت، وتعاقب الفصول، وتجدد الكون.. متخذاً من اصفرار واخضرار العشب عنقاءه الخاصة وطقوسه للمستحيل :

أنا العُشبُ،/ لا تنتهي دورةُ العُشبِ / يحيى، ليحيى / يموتُ، ليحيى / أنا المُستحيلْ.

والانتماء المخلص للبيئة الإماراتية عند الشاعر لا تتجلى فقط في البيئة الطبيعية أو في المكان كجغرافيا، بل في جغرافيا الروح وتفاصيل الحياة الاجتماعية بابسط صورها وأعمق أحاسيسها وأنبل مشاعرها ...

حَضّري الشايَ يا ابْنةَ عَمّي .. / وصبّيهِ حتى أفيض كلاماً / على الغابةِ الصّامِتةْ. / .

حضّريهِ / فطعمُ الوداعِ مع الشّايِ / لونٌ من الوَلَهِ المُتعاظِمِ، / يحلو / إذا ما تآخى على البَوحِ مُرّانِ / واستَرشِدي بالشّفيفِ من الحُزنِ / قبلَ الشُّروعِ بِصُنعِ المَرارِ /.

لكيلا يُداخِلَ طقسَ المساءِ غريبٌ ..

ثمة طقوس أو عادات ينساها البعض تماماً في غربتهم، وثمة تفاصيل تبدو عادية بغيابها أو بوجودها، لكن الشاعر إبراهيم يعتبرها من مشاعر غربته وربما اغترابه، ويبني عليها رفضه للمكان الذي فيه وشوقه للآخر، كما في تلك الحوارية :

هل لي بشيءٍ من القهوةِ العربيّةِ ؟

- ليس هنا قهوةٌ غير تلكَ التي تحتسيها لدينا صباحَ مساءْ.

لكنني عربيُّ الهوى والمِزاجِ / فهل سأصومُ على غُربتي / ما تبقّى من الوقتِ حتى أعودْ ؟

- لستُ أدري .. فذلك شأنُكَ يا سيّدي.

لن أُطيلَ عليكِ / فبوصلتي اليومَ واقِفةٌ / لا تحيدُ عن النّخلِ / إن كان لا بُدّ ممّا يُراقُ /.

على ظمأِ الصُّبحِ / صُبّي لضيفِكِ ما تشتهينْ. وفي معاناة الشاعر من وجع الشوق ولحظات الغربة، تطفو المفردة الخليجية على السطح، لكن ليس بدلالتها التقليدية، بل تتمظهر لديه بشفافية عالية، تدل على بيئته من جهة، وتجسد «رؤيا» إنسانية تعبر عن كل حالات الغربة والوحشة والحنين للوطن من جهة ثانية :

أوصل الليلَ بالليلِ / علّي أزِفُّ دقائِقَ هذا الظلامِ الشّهِيِّ / إلى خيمةِ الرّوحِ .. زوجينِ زوجينِ/ ثُمّ أُحوّطُها بالبخورِ المسائيِّ والشّعرِ / حتى تلينْ. / خيمةُ الرّوحِ / تكبر وحشتُها في الغِيابِ / كما يكبَرُ الظّلُّ عند الغُروبِ / فتأوي إليها كِلابُ الفراغِ الّلعينْ.

حتى إذا حاول الشاعر أن يصف تفاصيل مكان ما في البلد الذي يزور، خانته مفردته العتيقة مع المفردة الجديدة لتتشكل بطزاجة لذيذة توليفة لغوية ساحرة تقارب البلاغة في استعاراتها وكناياتها وحتى مجازاتها ...

تحتَ بُرجينِ / يتّخِذانِ من الغيمِ كوفِيّةً، / أتَرجّلُ في حذرٍ .. / حاسِرَ الرّأسِ /.

محمود أبو حامد