«إن أكثر الأكاذيب التي ما زال بعض الواهمين والحالمين يصدقها ويؤمن بها ويروج لها؛ هي أكذوبة ـ الإعلام الحر ـ التي أطلقتها الغوبلزية الغربية وصدقتها، لا بل جعلت الملايين يصدقونها في العالم أجمع، كيف لا، وقد قام الإعلام الغوبلزي أصلاً على مقولة ـ اكذبوا ثم اكذبوا حتى تصدقوا أنفسكم».

بهذه الكلمات النارية بدأ الإعلامي الدكتور فيصل القاسم صاحب «الاتجاه المعاكس» في قناة الجزيرة محاضرته التي ألقاها مساءأول من أمس في المجمع الثقافي ضمن فعاليات معرض أبوظبي الدولي للكتاب، والتي اختار لها عنواناً «مسجوعاً» يقترب من رسالة فقهية من القرن الثامن الهجري؛ «إماطة اللثام عن لعبة الإعلام»، فهل استطاع «القاسم» إماطة اللثام فعلاً عن لعبة الإعلام؟

أم أنه ترك بعض أجزاء وجه هذا الإعلام مغطى لأسباب مجهولة؟ وهل إماطة اللثام تشمل غرب الأرض دون شرقه؟ أم أن سيوف الشرق كانت بتّارة إلى حد الرعب؟ من جانب آخر؛ ألا يحق «للقاسم» وهو الذي تعرّض لعشرات الانتقادات ـ التي وصل بعضها إلى حد التشهير به من قبل البعض ـ أن يكون في موقع الهجوم على جزء كبير من الإعلام الغربي بعد أن قال ان «الإعلام الرسمي العربي» هو ليس إعلاماً بالأصل؟

ولماذا يقدم «القاسم» نفسه دون غيره من أساطين الإعلام كقربان فداء للإعلام العربي وهو الذي اكتوى بنيرانه؟ أسئلة نحاول التعرف على أجوبتها من خلال هذه التغطية المقتضبة لبعض ما قاله صاحب «الاتجاه المعاكس».

أعاد «القاسم» ترديد مقولته حول أكذوبة وجود «الإعلام الحر» أكثر من 10 مرات في محاضرته، ولم يستثن من ذلك دول «الديمقراطية» ولا «الاستبدادية»، وعلل نفي وجود مثل هذا الإعلام بمبررات آلية صناعة الإعلام وتشكيل رموزه وصناعة أخباره،

وهو ما يعرفه العاملون في الركن الخلفي «للمطبخ الإعلامي» حيث قال: إن الإعلام هو أولاً وأخيراً أداة تحكم وتوجيه وتعبئة سياسية في أي مكان كان، أو بالأحرى جزء لا يتجزأ من اللعبة السياسية والاقتصادية والتجارية، وبالتالي فهو ليس حراً أبداً

بل مجرد تعبير عن موقف سياسي وثقافي وأيديولوجي أو مصالح اقتصادية وتجارية معينة، وبعبارة أخرى؛ فإن وسائل الإعلام ما هي إلا خادم مطيع في أيدي القوى التي تمتلكها وتوجهها، هل شاهدتم أبداً خادماً حراً؟ أليس الخدم عادة أشبه بالعبيد؟ متى كان العبيد أحراراً؟

ثم انتقل «القاسم» ليهاجم وسائل الإعلام الغربية مبتدأً بإعلام الولايات المتحدة، حيث ضرب أمثلة على بعض وسائل الإعلام المملوكة لشركة «جنرال الكتريك» مثل محطة «ان بي سي» الشهيرة، وكيف أن هذه المحطة لا تستطيع أن تتناول في برامجها ـ على حد قول القاسم- خطورة الأسلحة النووية،

لأن الشركة المالكة تقوم بتصنيع الصواعق النووية، وأعاد تساؤله: أين الحرية الإعلامية هنا؟ أوليس من يدفع «للزمار» يطلب اللحن الذي يريد؟ واللافت للنظر أن هناك قنوات عربية ـ ربما عنى بها قناته «الجزيرة» ـ أكثر حرية واستقلالية من معظم القنوات الغربية التي ترفع شعار الإعلام الحر وتتباهى به،

فالإعلام الغربي يخضع لقيود ورقابة قد تتجاوز في بعض الأحيان ما هو معروف في العالم العربي، لكن هذا لا يعني أبداً أن نفاضل بين الإعلام الغربي والإعلام العربي الرسمي، فالأخير ليس إعلاماً بالأصل.

وبعد الولايات المتحدة وإعلامها؛ عبر «القاسم» غرب المحيط الأطلسي ليصل إلى طرفه الشرقي، وصولاً إلى لندن عاصمة الضباب، فضرب أمثلة عن التوجهات الحزبية والسياسية لثلاث صحف عريقة هناك؛ الاتجاه المحافظ وتمثله صحيفة «التايمز»،

الاتجاه اليميني وتمثله «الديلي تلغراف»، الاتجاه اليساري وتمثله «الغارديان» وكيف أن كل صحيفة تتقوقع على نفسها في إطار واحد لا تخرج عنه، وعدم استقبالها لأي رأي مخالف أو يعاكس وجهة نظرها السياسية، وأشار «القاسم» إلى أن «حزبية الإعلام الغربي» تنسف الحرية الإعلامية من جذورها

وأن الحرية في تلك الوسائل هي حرية «البعد الواحد» ـ ربما كان المصطلح مستعاراً من النظرية التشكيلية التي تحمل نفس الاسم والتي أبدعها رائد الفن التشكيلي العراقي شاكر حسن آل سعيد ـ وهنا تساءل المحاضر: هل يستطيع أي صحافي أو كاتب غربي أن يخوض في مسألة «الهولوكوست» دون التعرض للمضايقة والسجن أحياناً؟

وصوّر «القاسم» بعض أساليب الإعلام الغربي في التحشيد ضد دولة أو دين أو شخص ما، حين يتعلق الأمر بعلاقته بالدولة الغربية المعنية، بحيث يصبح هذا الإعلام بمحافظيه واليساريين واليمينيين فيه جوقة واحدة تعزف نفس اللحن، كما نفى «القاسم» عبر بعض الأمثلة المجتزأة «أكذوبة أكبر» ـ على حد قوله ـ ألا وهي ما يسمى «الإعلام المفتوح»

وأضاف: لا أبالغ إذا قلت إن الإعلام الغربي يكاد يكون عصياً على الاختراق أكثر من أي صحيفة عربية تابعة لنظام ديكتاتوري، فوسائل الإعلام الغربية تمارس حمائية عز نظيرها حتى في أكثر البلدان استبداداً وانغلاقاً،

كما أن هذه الوسائل تمارس أيضاً، «حمائية ثقافية مفرطة» ليس فقط ضد البعيدين بل حتى ضد المقربين، فهم يريدون عولمة إعلامية باتجاه واحد، حيث يسعون جاهدين للحفاظ على الداخل من التأثيرات الإعلامية الخارجية، بينما «يستقتلون» للتأثير على الخارج.

وأضاف المحاضر: إنها بعبارة أخرى «الحرب الذهنية» التي تتضمن شن حروب ثقافية مفتوحة ضد الشعوب، حيث بدأها الأميركان بإرساء أسس تلك الحرب منذ عام 1980 على يد الكولونيل «بول فاليلي» في دراسته المعنونة «من الحرب النفسية إلى الحرب الذهنية: سيكولوجيا النصر» ويتحقق ذلك عبر وسائل الإعلام الأميركية الضخمة التي تملك الوصول إلى جميع شعوب الأرض، بمختلف آلياتها وتقنياتها..

وأن القرية الكونية الموعودة إعلامياً لن تتحقق بسبب الانتقائية الغربية تحديداً والميل الدائم إلى الاحتكار الذي يميز العقلية الرأسمالية، وأن حملة التضييق على وسائل الإعلام العربية والإسلامية جزء لا يتجزأ من حرب الأفكار التي يشنها أرباب العولمة علينا.

أبو ظبي ـ محمد الأنصاري