الشكل المرسوم والمنحوت اجتمعا معاً في معرض واحد في «غاليري غرين آرت» الذي استقبل أعمالاً منحوتةً من نبيل بصبوص من لبنان، ولوحات تشكيلية من الفنان السوري ثائر هلال، ويستمر المعرض حتى آخر الشهر الحالي،حيث افتتحه الأديب محمد المر رئيس مجلس دبي الثقافي.
ما يجمع بين منحوتات بصبوص وتشكيل هلال مبدئياً هو التجريب، الحامل في أولوياته إشراك الرائي إلى الأعمال بحوارية التجريب من خلال ردة الفعل الناتجة عن مجسم مشهدي غير مألوف، أو لون يبدو ثابتاً ومتدرجاً، والتجريب لكل الفنانين لا يأتي من معين واحد، أو ينتهي إلى خلاصات واحدة، بقدر ما هو إطار عام فيه روح المغامرة ونبش الذاكرة الجماعية للفنان والمشاهد،
إضافة إلى محاكاة الشكل بوصفه احتمالاً أكثر مما هو مرتبط بتحديد يمنعه إطلاق أحلامه وإمكاناته وتعديلاته النظرية والفعلية، فينحت بصبوص أخشاب شجر الزيتون المختارة لمعانيها الرمزية العتيقة، وكأنه يستنطقها. ثم تتوالى لعبة تبادلية بين طموحات المادة والفنان، هو يدفع وهي تستجيب إلى أن ترفع المادة صرخات الروح فتكسر الإزميل وتبقى يد الفنان تعمل بالعصب وحده.
فتنثاء لغة التماهي بين الجامد والمتحرك في قطعة البرونز (كوبل) مثلاً، أو في خشبية «الرقص» الذات تعانق أوهامها، أو في قطعتي «اللقاء حيث الضوء نقيض الظل لكنهما يتجاوران ويتلاحمان في واقعية غير مرئية مع انها فجة بماديتها، فرأس الذكر المرفوع وانحناء جسده بقسوة الحركة ونعومة السطح،
يقابله وساعة روح الأنثى للحب والألم والصبر الظاهرة كلحظة انتماء لا رجوع عنها، ويتبدى هذا واضحاً أكثر في قطعة «أمنية» التي تحمل هذا المزج الأسطوري بين متوازيات تقوم على أضداد تجاورها يسمح بالإعلان عن مكنوناتها. أو في «بعد العاصفة»، حيث التمزق والانكسار يشدان الجسد إلى التمسك ببقاياه بأسلوب عنقودي، فيه وهم البقاء المادي وخرافة الروح الخالدة.
مثابرة وتطوير التأليف
يثابر ثائر هلال على العمل المتواصل بصيغة بحثية، لا تستكين إلى قناعة آنية. فإن كان هو يكرر في لوحته أشكالاً تبدو كصوت متردد لصلاة صوفية، يفتح هنا مدى جديداً للفضاء والمساحة والشكل واللون، لا يقفز في الهواء من تجربة إلى تجربة عنوة، ولا يستسيغ الارتباط بسياق، فينحو إلى تطوير صياغة الفكرة التأليفية، التي تستخدم مساحة اللوحة بكليتها،
ومن ثم يعيد تقطيع المسافات إلى مربعات تصير إلى مشاريع مستقلة في فضاء واحد، حواري ودال، يستبطن ويعلن، ثابت ومتحرك، يقيم اعتباراً للجماليات بمفهومها الشفاف، وينتفض على أي مفردة بصرية كلاسيكية بهذا المعنى، يتميز عمل الفنان ثائر هلال في أنه يمرحل تجاربه، من دون أن تلغي التجربة أو المرحلة الجديدة ما قبلها،
ومن دون أن تستقل استقلالاً كاملاً بتوجه انقلابي، فالمزج في لوحة هلال جزء لا يتجزأ من مشروعها البصري، فهو يخلط بين اتجاهات كلاسيكية التجريد الفرنسي الحديث، وبين التعبيرية الألمانية الجديدة، ولا ينتمي إلى أي منهما البتة. فيمد يده إلى ذاكرة بصرية متصلة بالبيئة الخاصة العربية، بمفاهيمها الثقافية الإنسانية، وبتوغلاتها في التماس طموحات مخفية،
يستطيع الفنان أن يصرّح عنها، ولا يطلق على لوحاته أياً من الأسماء، يتركها معلقة هكذا برسم المشاهد الذي يشارك في هذه اللحظة باسم العمل أو عنوان أراده الفنان أن يبقى حراً ومتقلباً على التوالي بين مشاهد وآخر.
«الاكريليك» مادة سميكة يحوّلها ثائر هلال تارة إلى مادة شفافة، وتارة أخرى إلى تدرجات لونية، وهذا واضح في كل اللوحات المعروضة بكل القياسات والتي غلب عليها «متر» بـ «متر» إلى بعضها المختلف الجدارية من حجم 200 X 145، المقسومة إلى فضاءين، والنصف العلوي منها ينشطر إلى ثلاثة مربعات تخترقها مربعات صغيرة أو مستطيلات،
أحدها يسترخي في طرف المشروع البصري أو في منتصفه، في صدح لغنائية اللون واحتمالاته، وفي ضربات عريضة للفرشاة في منتصفها، كأنها صرخة في عالم خاوي الروح والأفكار، يصر فيه ثائر هلال أن يكون منصة للتعبير والتجريب، لا فرق إذا كان الهاجس هنا لا يخضع إلا لشروط الفن الذي يطمح إليه الفنان بالفعل.
حسين قطايا