ظلت أبواب الشاعر السوري الراحل محمد الماغوط موصدة أمام الصحافيين ورجال الإعلام حتى وقت متأخر من حياته لسببين رئيسيين الأول له علاقة باستمتاعه بعزلته التي استمرت لسنين، والتي كان يحب ألا توترها أضواء الصحافيين وأحاديثهم عنه، والسبب الثاني وأعتقد أنه الأهم هو عدم قدرة الراحل على الحديث والتعاطي مع مفردات اللغة محادثة كما قدرته على الكتابة،
ولهذا السبب كان يتهرب من الأحاديث الصحافية وخاصة التلفزيونية، ولطالما تساءل محبوه هل هذا هو الماغوط حقا على خلفية حوار تلفزيوني شاهدوه فيه.. وحواراته التلفزيونية طيلة حياته لم تتجاوز أصابع اليد الواحدة..
وعندما يزوره أحد الصحافيين في الفترة الأخيرة كان يراوغ ويناور كثيرا عليه حتى يخرج بصيغة بسيطة لحوار معه وغالبا ما يكون صاحب الحوار مع الماغوط كالقابض على الجمر..!
وفي الحالات التي أفرج الراحل عن علاقته مع الصحافة، كان يجيب باقتضاب شديد عن سؤال محدثه، وقلما تجد إجابته عن سؤال تتجاوز العشر كلمات، ونادرا ما شكر إعلاميا عن لقاء أجراه معه..
وإذا لم يصمت فهو سيقول له حتما هذا ليس كلامي لقد غيرت فيه أنا قلت كذا وكنت أعني فلان.. وأنت غيرت في كلامي، يصمت الآخر بدوره لأنه يعلم أن مزاج الماغوط المتبدل قد فرض إيقاعه في فترة قبل وبعد..!
ولكن الطريف حقا والشائع في عالم الإعلام العربي أن أي مثقف أو مبدع عربي يغيب عن الحياة تبدأ سلسلة حوارات تبدأ ولا تنتهي عنه ومعه وكلها تحمل عنوان ننفرد بنشر الحوار الأخير مع الراحل، ولكثرة الحوارات تظن أن الراحل لم يكن يقضي أيامه الأخيرة إلا في إجراء الحوارات الصحافية، وهذا ما حدث مع الماغوط رحمه الله.!
وسخريته من الكلام ومن نفسه قد جاوزت حدا غريبا قادته لعدم إصلاح أسنانه أو استبدالها بأخرى وقد بدا حاله منذ ثلاث سنوات على الأقل بلا أسنان، وهكذا كان يصعب عليه أن يتحدث بأريحية أو أن ينطق مخارج الحروف بطريقة مفهومة.. وقد أجابني مرة «انني أفضل وأتحمل عذاب مضغ الطعام وابتلاعه دون أسنان على عذاب اختراع أحاديث تافهة يطلبها مني الآخرون..! ».