شكّل الجدل المتصاعد بين «الليبراليين العرب» والكتاب ذوي الميول «القومية» و«الدينية» في الآونة الأخيرة حول منابع الإرهاب واسهام الفهم الخاطئ للدين والاستعارة الجاهلة لبعض النصوص التي تشكل جزءا من التراث العربي،
ومحاولة «الليبراليين» وكتاب التحديث والتغيير إلقاء اللوم بالكامل على عاتق النص التراثي العربي بغثه وسمينه باعتباره مصدراً فكرياً مهماً لتكوين أيديولوجيا الكراهية وتكفير الآخر وإقصائه، وبالتالي اتهام أصحاب الفكر «القومي» و«الديني» لهؤلاء المفكرين بخيانة الوطن والعروبة وما إلى ذلك؛
شكّل كل ذلك باباً واسعاً للحوار الفكري -وإن اتسم بعضه بالسفسطة ومحاولة تقويض أركان الفكر المعاكس عبر قذائف العقلية الطفولية - وظهرت العديد من الكتابات هنا وهناك ممن تردد صدى اللاعبين الرئيسيين، كما ظهرت العديد من الكتب التي أعادت المنطقة العربية إلى حالة صراع «الخواء الفكري» بين العلمانيين والدينيين منتصف القرن الماضي،
وسنحاول -ولا ندعي الابتكار في المحاولة- أن نستوضح آراء بعض الكتّاب والناشرين العرب المشاركين في معرض أبوظبي الدولي للكتاب حول مدى صدق مقولة أن الكثير من كتب التراث العربي أسهمت بشكل أو بآخر في دعم «الإرهاب» و«التطرف الفكري» في عالم يسوده صراع أصولي واضح المعالم، ومدى إسهام الفكر أحادي النظرة الذي يتهم به التراث العربي في إرهاب وقمع حرية التعبير:
الرأي الأول كان على لسان مجد حيدر حيدر صاحب دار «ورد» السورية ونجل الروائي السوري المعروف؛ الذي أجاب قائلاً: لستُ من المستمتعين بقراءة الكتب «الدينية» وهي شأن لا يعني دارنا واتجاهها الفكري..
ولكنك تستطيع إذا قرأت المعاني والدلالات في بعض النصوص المحسوبة على التراث العربي أن تستنتج أن «ماركيز» كافر وكذلك هو الحال مع «إيزابيل الليندي» وحتى «نانسي عجرم»، ولعلنا حين نتكلم بوضوح حول ما يسمى حرية الرأي والتعبير في العالم العربي؛
فإننا نصدم بالثالوث المحرم - الدين، السياسية، الجنس ـ والذي يبدو أنه أزلي وباقٍ في الذهنية العربية، ويبدو أن قرين كلمة «حرية» قد ارتبط بكلمة «زنزانة» لدى العرب،
حيث ما زالت مجتمعاتنا تعيش مرحلة القبيلة والطائفة والمذهب، وكل أنواع الحداثة الفكرية التي قدمت عبر خمسين عاماً مضت لم تفد قيد أنملة في تطوير أو «عقلنة» الذهنية العربية، والمشهد الثقافي العربي هو انعكاس لذلك.
الكاتب العراقي خالد المعالي صاحب دار «الجمل» في ألمانيا، بدأ حديثه بتحليل شامل لمفردة التراث وما تعكسه على الواقع الإنساني؛ فقال: يجب أن نميز بعدالة أن التاريخ مليء بالشواهد التي تسند إقصاء
وكره الآخر والشواهد الإنسانية المضادة لها، وهذا ليس حكراً على التراث العربي وإنما هو موجود في جميع ثقافات العالم، ويشكل جزءأً أساسياً من التاريخ بمفهومه العام، باعتبار أن التاريخ مجموعة صراعات تطلق صرعات فكرية مختلفة من هذه الجهة أو تلك،
وحقيقة المشكلة فيما نشهده اليوم من جدل مفتعل، أن الكثير من البشر ينطلقون من الماضي لتقييم الحاضر، في حين أن مفهوم الحياة يطلب منا الانطلاق من الحاضر للمستقبل، وما قضية الاحتكام للماضي إلا دليل على جمود الحياة الفكرية لدينا،
وكما أعتقد أن ذلك ما جعل من حياتنا سلسلة رهانات على الماضي وكان المفروض أن تكون على المستقبل، أما الجدل الذي يسمى تعسفاً «جدلاً فكرياً» فما هو إلا مونولوج يقوم به «الليبراليون» و«الأصوليون» بصورة مسرحية فجة، حيث يحكم الماضي القديم «الأصوليون» بينما ينطلق «الليبراليون» من حلم وهاجس التحكم بالمستقبل،
وهو حوار أو جدل عقيم، لأن الحوار الصحيح يجب أن يقوم على وشائج مشتركة ـ وهذه الوشائج معدومة في العالم العربي- لأن هذا العالم يفتقد إلى الأسئلة الحقيقية، وهذا يعود إلى أكثر من ألف عام مضت، وأستطيع القول «ان الحياة التي لا تطرح أسئلة.. لا يمكن أن تنتج حواراً حقيقياً».
أما الكاتب والإعلامي الجزائري خالد عمر بن ققة فهو يرى أن مقولة «الليبراليين» العرب حول التراث العربي وتشكيله لما يسمى منبعاً للإرهاب؛ فيها الكثير من الغموض وأنها فضفاضة وتمثل حكماً جائراً لسببين، يتمثل أولهما بأنها اتخذت من التعميم مدخلاً لتقييم الأفعال والأفكار،
ما يجعل من الصعوبة بمكان الوصول إلى إجماع حولها يعطيها قوة المرجعية أو الحكم أو حتى المقولة، أما السبب الثاني فيكمن في اعتبارها التراث كُلاً واحداً فكريا وزمانيا ومكانيا، وهذا فيه تجن على التراث واختصاره في بعض القراءات المقتطعة من هنا وهناك، خصوصاً
ونحن نتعامل في أحايين كثيرة مع قراءات التراث وليس التراث نفسه، وأضاف « بن ققة»: لكن هذا لا يحول دون القول إن كتب التراث ـ خاصة تلك التي ارتبطت بازدهار الحضارة العربية ـ الإسلامية، تعتبر بمقاييسنا الراهنة عن الإرهاب وتعتبره عملاً مشروعاً، بل وأحياناً مطلوباً لذا ليس مقبولاً من ناحية البناء المعرفي، والتراكم الثقافي،
وأيضا من جهة تقييم الأفعال الماضية العسكرية منها والسياسية اعتبار ما حدث آنذاك عملا إرهابيا، لأن الإعداد للآخر حربا وليس سلما كان يعتمد على «إرهاب أعداء الله» الذين هم أعداء المؤمنين أيضا، وهذا جزء من تاريخ البشرية وتعبير عن أمم خلت وحضارات سادت ثم بادت،
والدول الكبرى اليوم تتعامل معنا بمنطق الحضارات القديمة مع اختلاف واحد وهو اعتمادنا على صلتنا بالرسالة حقا وصدقا مع الأخطاء في التطبيق واعتمادها على أيديولوجيات نراها بمنظورنا الخاص في الوقت الراهن، ومن مقولات تراث مرفوضة حتى عندما تقدم التغيير والإصلاح عن غيره من الأولويات الأخرى،
وعلينا الإعلان صراحة أن الإرهاب - المنتشر في بلادنا العربية - هو الابن الشرعي للأنظمة القمعية، وهو أيضا وريثها، أما الاختلاط الواقع الآن بين إرهاب الجماعات الإسلامية - مثلا- وإرهاب الدول الغربية، يشي بأن المصلحة واحدة تقاطعا وليس اتحادا،
كما أن مفهوم الإرهاب يمثل حكم جماعة على أخرى، ولكنه رغم دمويته آخذ في الانتشار والتأييد من أطراف فاعلة داخل المجتمعات العربية ناهيك على التأييد الشعبي، وإلا بماذا نفسر اتساع مجاله وسرعة حركته ؟..
كل هذا ينقلنا إلى موقفه إزاء حرية التعبير، فرد فعل بعض الجماعات على أعمال إبداعية بعينها هو جزء من رد الفعل على قيم المجتمع الضائعة منها أو الوافدة، الأولى استرجاعاً والثانية رفضاً، ثم أن الكتّاب والمبدعين يحاولون حل مشكلاتهم مع السلطة على حساب الدين،
وكرد فعل عن ذلك بحجة الدفاع عنه - حقيقي أو مزيف - يلتقي فيها قمع الدولة مع قمع الجماعات المتطرفة، وبهذا تشن الحرب على حرية التعبير خصوصاً.. ومن هذا المنطلق علينا رفض الطرفين، واعتماد الكتابة من منظور واع وليس استفزازيا، وأن لا نهرب إلى الماضي بسبب عجزنا من مواجهة الحاضر.
ويرى نوفل صالح من دار «المدى» للثقافة والنشر والتوزيع أن مثل هذه المقولة تنطبق على العديد من الكتب التراثية التي ظهرت في عصر الانحطاط الفكري بعد سقوط الخلافة العباسية، وتم فرز الكثير من «فتاوى» القتل والتكفير وإقصاء الآخر في تلك المرحلة،
وأضاف: إن التراث بأبعاده المختلفة يعبّر عن مرحلة تاريخية بسلبياتها وإيجابياتها، والواقع أن البعض يبحث عما يناسبه من فكر عبر النصوص التراثية، فنراه يجتزئ ما يريده منه ويترك الباقي، وفي العصر الحالي نشهد ردة فكرية لا يمكن وصفها، مع غياب الناقد أو الباحث المتخصص والوعي الجمعي بالنسبة لموضوعة التراث، وبإمكان المرء -
حين يتجول في المكتبة العربية- أن يرى آلاف الكتب والإصدارات المُسفّة بالعقل العربي تحت مظلة التراث، بينما نجد أن المنع يطال الكتب التي تحمل طابعاً حداثياً أو عقلانياً حتى وإن كانت قديمة.
ويضيف نوفل: إن مأساة واغتراب المفكر والمبدع الحقيقي لا تنطبق فقط على المشهد العربي، بل إنها حالة يمكن توصيفها بأنها «حلف الضمير الكوني» في الاشتراك التراجيدي والمعاناة الحقيقية التي يعيشها جميع مبدعي العالم بين ركام «التراث القومي أو الوطني» لهذا البلد أو ذاك،
وأعتقد أن الكتاب -إذا ما تكلمنا عن كتب التراث على وجه التحديد- هو سلاح ذو حدين؛ شأنه شأن أي شيء في الكون، فبعضه يقدم السم وآخر يقدم العسل والأخطر بينهما هو ما يقدم العسل الممزوج بالسم،
وبات من الضرورة على الإنسان في عصر الخداع الفكري الذي نعيشه اليوم؛ أن يتسلح بسلاح العقل قبل كل شيء كي لا يذهب ضحية لأفكار تثير العداء لديه ضد الآخر، وتضعه في حالة من الجهل المطبق.
أبوظبي ـ محمد الأنصاري