في المرة الماضية نوهت في هذه الزاوية إلى ما حققته الساحة المسرحية في الإمارات عبر العقود الثلاثة الماضية.
وكنت أتحدث عن الجانب الإيجابي والمشرق، ومازلت كما غيري يعتز بهذا التاريخ، غير أن الاعتزاز بالتاريخ وإنجازاته فحسب دون معالجة الواقع أو مراجعته أمر سلبي سيؤثر بالضرورة على بيتنا المسرحي بما لا نرغب به.
اتحدث عن الواقع من خلال عروض أيام الشارقة المسرحية لهذه الدورة ولا بد من الإشارة إلى:
* حتى لا نعلق تعثرنا على شماعات الآخرين، فإن الجهة المنظمة ـ دائرة الثقافة والإعلام ـ قد قامت بواجبها كما ينبغي غير معنية بالمستويات الهابطة التي طغت على معظم عروض الأيام، ولا أقول جميعها.
* ينبغي أن تكون عروض الأيام ممثلة لمجمل المسارح العاملة في الدولة، وبالتالي فهي حصيلة إنتاج لعام وصورة لواقعنا المسرحي الآني.
* إن كافة المسرحيين والفرق المسرحية لا عذر لهم لا من ناحية الوقت، فالجميع يعرف مسبقاً موعد المهرجان، ولا من ناحية الطاقات فهي متوفرة عربياً ومحلياً، ولا من ناحية الدعم المادي أو المعنوي.
وكلاهما قد توفر عبر أكثر من جهة ترعى المسرح ويكفي أن نشير إلى دعم صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، إضافة إلى مجلس دبي الثقافي الذي بدأ يؤثر في نسيج المسرح ويدعم بعض الفرق.
شاهدت جميع العروض المشاركة في المهرجان وخرجت مثلما خرج غيري بشكل يشبه الإجماع بأنه لم يكن هناك عرض مميز حقق لمسرحنا خطوة إلى الأمام، فإن أحسن العروض هي التي راوحت في مكانها، وفقدنا المفاجآت التي كنا نتحسسها ونصفق لها بحب وبإعجاب.
واضطررنا لتذكر بعض تلك الإضاءات التي ظلت حتى الآن تُذكر باعتزاز، مثل سيف ابو هلال، حبة رمل، باب البراحة، خزينة، ما كان لأحمد بنت سليمان، رحلة حنظلة، وغيرها من المسرحيات التي أنجزت في السنوات الماضية.
قد يخالفني البعض في أن الكثير من العروض لم تكن رديئة، والجواب لكنها لم تكن بمستوى الطموحات أو بمستوى العاملين في هذه العروض، أو بالأحرى بمستوى التوقعات.
ان المراوحة في هذه الدورة من مهرجان أيام الشارقة المسرحية ليست وليدة الصدفة الآنية، إنما كانت مؤشرات عديدة في الدورتين السابقتين.
وقد كتبت عنها في عدة مناسبات وحذرت من الوصول إلى الأبواب المغلقة، وأعيد التحذير وأطلب المراجعة والانتباه والتأني حتى لا نصل فعلاً إلى أبواب مغلقة لا تعود علينا إلا بالإحباط واليأس.
لا بد من أسباب وعوامل جعلت معظم عروض هذه الدورة متواضعة، لعل من أهمها:
* إلغاء لجان مراقبة واختيار العروض التي كانت تسبق المهرجان، مما لم يعد البعض يخشى من عدم المشاركة لأنه شعر بعدم وجود جهة تمتلك صلاحية الرفض والقبول.
* الاستسهال عند بعض مدعيي الفن الذي تتضخم عنده الأنا حتى يظن أنه معجزة العصر التي يترقبها الجميع، وهو غير مؤهل لا فنياً ولا أكاديمياً، وغير مسلّح حتى بتجربة متواضعة، ويتصدى لأعمال تحتاج إلى رؤى ووعي استثنائي وثقافة مؤسسة.
* عدم استعداد الفرق المسرحية المسبق بوقت كاف، والعجالة عندما تضيق مساحة الزمن بين عدم الاستعداد وتاريخ المهرجان، وطبيعي لا نجني في مثل هذه الحالة إلا بيضاً مسلوقاً.
* غياب الموسم المسرحي الجاد والمثمر حتى بعد مكرمة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي في دعم عروض الموسم مادياً.
* انشغال البعض بأعمال تلفزيونية أبعدتهم عن البيت المسرحي رغم أن هذا الحق مشروع ولكن دون أن ينعكس سلباً على الساحة المسرحية.
وهناك عوامل غير مباشرة ما زالت تحد من نشاط مسرحنا وأهمها:
* غياب المسرح المدرسي، حتى بعد عودته الخجولة والنسبية.
* غياب المسرح الجامعي.
* عدم تخرج دفعات جديدة من المسرحيين الأكاديميين على الرغم من وجود الزمالات والبعثات لدى الجهات الحكومية والتي يعزف عنها الشباب ولم يتقدم لها أحد على حد علمي، والمسرح اليوم لا يمكن أن ينمو ويتطور بدون هذه العوامل مجتمعة تنمو معه وتسير موازية.
وأخيراً أقولها بصراحة إن الحال إذا استمر على ما هو عليه فإن الدورة القادمة من مهرجان أيام الشارقة لن تحقق إلا خطوة أو أكثر إلى الوراء.
ونأمل أن لا تحدث وأن ينتبه أهل المسرح إلى كلمة الحق، والعقل، وأن نبدأ جميعاً في التفكير في إنجاز جديد نضيفه إلى مسيرتنا المسرحية المحلية بعيداً عن الضجيج والمديح والتعصب.