إبراهيم الصلال فنان من زمن العشق المسرحي الأصيل، تعلم كيف يرسم خطواته الفنية بهدوء ويتعلم من أخطائه، دون أن يشعر بالخجل، متحدث لبق ومحاور يعرف حدود الكلمات والتعابير، ملتزم بالموعد الذي حدده للقائنا به، استقبلنا بابتسامته العذبة الودودة، وأجوبته الصريحة، معه نرحل في حوار دون رتوش.

ـ من الملاحظ أنه ومنذ بدايات القرن الماضي اتخذ المسرح الكويتي طابعاً خاصاً ميزه عن بقية التجارب المسرحية العربية الأخرى، فبرأيك أين تكمن خصوصية هذا المسرح؟

ـ لا شك أن الجرأة في الطرح هي من أهم ميزات المسرح الكويتي، وهذه ميزة استفدنا منها نحن كمسرحيين عندما كنا نقدم أعمالنا المسرحية في الدول العربية الأخرى ونرى الدهشة في عيون الجميع.

وهم يتابعون مستوى حرية الرأي والتعبير من خلال الكلمة التي وصل اليها المسرح في الكويت، خاصة وأن العديد من الأنظمة العربية في القرن الماضي.

كانت تمارس سلطة المنع على العديد من الأعمال المسرحية لكتابهاو مبدعيها، فعلى سبيل المثال أعمال المبدع محمد الماغوط الذي قدم العديد من الأعمال، كمسرحية (كاسك يا وطن) وقبلها (مسرحية المهرج) التي شاهدتها في بيروت عام 1972.

وقد أعجبتني هذه المسرحية الممنوعة في سوريا آنذاك، وقمت بتقديمها في الكويت عام 1974 ودعوت الماغوط والفنان الكبير دريد لحام الذي بكى عندما شاهد العرض لأن هذه المسرحية كانت مسرحيته.

كما أن الماغوط أعجب كثيراً بطريقة العرض وقام فيما بعد بكتابة مسرحية (كاسك يا وطن) إرضاء لدريد لحام، والتي يمكن القول إنها مسرحية (المهرج) مع تغيير في العنوان فقط.

ـ كيف قدمت مسرحية المهرج حينها؟

ـ استخدمت تقنية مسرح المقهى أو الشارع، مع تناول مفردات اللهجة الكويتية والمصطلح بطريقة نالت استحسان كل من النقاد والمشاهدين، تماماً عندما قدمنا في الكويت مسرحية (حفلة على الخازوق) ومسرحية (عريس لبنت السلطان) لمحفوظ عبد الرحمن،.

والتي كانت أيضاً ممنوعة في مصر، ومسرحية (رأس المملوك جابر) لسعد الله ونوس، كما قدمنا مسرحية (علي جناح التبريزي وتابعه) لألفرد فرج التي قال عنها:

لأول مرة ابتسم بعد أن قدمت هذه المسرحية على عدة مسارح عربية ولم تنل حظها من النجاح، حيث كنا مجموعة شباب، نقرأ النصوص المسرحية ونقوم بتعديل بعضها حتى تتماشى مع مفردات الحياة في الكويت ومنطقة الخليج العربي.

ويتابع الفنان الكويتي المخضرم:

ـ ولا بد هنا أن نعترف أننا استفدنا من إخواننا العرب الذين ساهموا في نهضة الكويت الفكرية، وقدموا لنا خبراتهم وتجاربهم في مجال الصحافة والقضاء والطب والمجالات الأخرى، فنحن لم نعمر الكويت فقط، بل كان للأخوة العرب دور كبير في ذلك.

ومنذ بداية الستينات وحتى منتصف الثمانينات من القرن الماضي مررنا بمرحلة نشوة عربية، وكل ذلك بجهد عربي متكامل وهذا أمر لا يخفى على أحد.

ومن المفترض أن يستفيد الأخوة في الخليج العربي من أخطائنا ويكملوا من حيث انتهينا، فبعد الغزو في عام 1990، هاجرت الخبرات والعقول العربية المبدعة ولم نحاول إعادتها.

ـ لهذا السبب تراجع المسرح الكويتي ؟

ـ هناك جملة من الأمور والقضايا الأخرى، منها عدم اهتمام الدولة ببناء مسارح وإقامة صالات للعروض، ففي الوقت الذي تم فيه افتتاح معهد عال للموسيقى تم استقطاب العقول العربية من جميع أنحاء العالم العربي.. وحالياَ نعاني الكثير في مجال المسرح، ونحن بالمحصلة جزء من العالم العربي.

قل لي كيف تحول المسرح الطليعي والقومي في مصر ومسرح الريحاني وصلاح عبد الصبور، وانتقل المسرح إلى شارع الهرم...الخ.

ـ هل أفهم من كلامك عدم رضاك عن التجارب المسرحية في الخليح العربي حالياً؟

ـ بالعكس أنا مسرور جدا حين أتابع العروض المتميزة في أيام الشارقة المسرحية وهذا ما افتقدناه منذ زمن، وقد استمتعت بالعرض الافتتاحي (قوم عنتر) لإسماعيل عبد الله ومحمود أبو العباس وأداء الفنانين: حسن رجب وإبراهيم سالم وسميرة الوهيبي ومرعي الحليان وجمال السميطي.

ومحمد جمعة وسعود عبد الرحيم وآخرون.. بينما قتل العرض في الندوة التطبيقية من خلال الانتقادات القاسية التي وجهت إليه.. ولأن العرب ظاهرة صوتية.. فنحن للأسف متخلفون في ندواتنا التطبيقية، نفلح في الهجوم الشرس دون أن نحترم الرؤية الفنية لطاقم العمل.

ولا نعمد إلى تفنيدها ونقدها بهدوء، فحين أريد أن انتقد عملاً فنياً، يجب لا أخدش شعور المؤلف والفنان الذي استمتعت بأدائه، كذلك احترم وجهة نظر المخرج، لأنني في النهاية عندما أقول وجهة نظر محترمة مؤدبة فيها سلوك وأخلاقيات فنية، أكون قد خدمت العرض بشكل أو بآخر.

. حقيقة خجلت من نفسي وأنا أتابع ندوة (قوم عنتر) التطبيقية، وقلت لهم اشكر المخرج والكاتب وزملائي الذين أمتعوني بهذا العرض الجيد بغض النظر عما قيل من آراء من سبقوني وأنا أهنئكم على هذا العمل.. لأنه مهما يكن هؤلاء زملائي وقد مررت بهذا الموقف من قبل مرات كثيرة.

ـ هل تتذكر أقسى نقد فني تعرضت له خلال مشوارك الفني؟

ـ هناك الكثير.. فقد كنت في سنة من السنوات القاسم المشترك في أغلب أعمال المكتبة التلفزيونية بالكويت.. وهذا الكلام قبل ست وعشرين سنة، أيام كان أولادي على أبواب الامتحانات النهائية.

. وصادف في شهر رمضان أن عرض لي عشرة أعمال تلفزيونية، فكنت أظهر طوال اليوم وهذا أمر لا يد لي فيه حقيقة، حتى أن الصحافة تناولتني بالنقد والكاريكاتير حيث تجد رسماً مدفع الإفطار مع تعليق: سينطلق الآن إبراهيم الصلاَل، وآخر لأب يسال طفله الصغير لم يذهب إلى المدرسة اليوم فيجيبه:

أخاف أفتح خزانتي لأغير ملابسي فيصل إبراهيم الصلاَل..؟! وآخر تزامن مع زفاف الأمير ديانا حيت تجد تعليقاً ساخراً يقول: امتحان هذه السنة سهل، زواج الليدي ديانا في الصحافة، والصلاَل في التلفزيون.

والحقيقة أنني كنت سعيد بهذه التعليقات، لكن أولادي كانوا يتضررون من ردة الفعل في المدارس والجامعات، مع أن التبرير الذي قدمته كان مرفوضا عندما قلت في مقابلات كثيرة، أنني كالشخص الذي اشترى مؤونه شهر كامل وقامت زوجته بطبخها في يوم واحد..

ـ ماذا فعلت بعدها؟

ـ تعلمت من أخطائي.. ومن يومها لم أوقع عقد عمل فنيا إلا وأشترط ألا يعرض في شهر رمضان إلا إذا كان عرضاً جيداً مقارنة بما سيقدم من أعمال فنية أخرى، والحمد لله التزمت بهذا الأمر ولم يعرض إلا عمل واحد في رمضان خلال السنوات الماضية باستثناء مرة واحدة، عرض لي عمل درامي في الكويت وآخر في السعودية.

ـ أخيراً من يشدك من كتاب المسرح ومخرجيه في هذه الفترة، وهل أنت متفائل بأن تحرك أيام الشارقة الركود المسرحي؟

ـ أتمنى ذلك وأنا متأكد أن هؤلاء الشباب سيقدمون أعمالاً جميلة، لكن المشكلة في الاستمرارية.. ولو قلت لك أننا كمسرحيين افتقدنا إلى الصدق في التعامل مع الفن لا أكون مبالغاً على الإطلاق.

حوار: أنس الأموي