رحل الماغوط.. صاحب «الأرجوحة» و«حكايا الليل» و«العصفور الأحدب» وعشرات الأعمال الإبداعية.. تاركاً لنا الأوطان والغربة وملايين الجدران، والحزن الذي لف ضوء القمر والياسمين الشام، وشهادات الأحبة الذين باحوا لنا بما يعتصر القلب من شجن لا يضاهيه سوى العبق والمسك الذي تركه لنا على مرَ الأيام.. في البداية يقول د.علي عقلة عرسان الأمين العام للأدباء والكتاب العرب:
رحم الله الشاعر محمد الماغوط فقد كان في حياته وإنتاجه الأدبي صوتاً مؤثراً وواسع الانتشار، عبر إنتاجه المتنوع سواء كان في المسرح أو في المسلسلات التلفزيونية أو في بعض الأفلام التي كتب السيناريو لها، كذلك في قصيدة النثر التي جعلته شاعراَ في هذا النوع من الكتابة منذ عقود من الزمن .
والعمر الذي قضاه في الإبداع، تفرغ للكتابة فلم يشتغل في أية وظائف.. عاش بين بيروت ودمشق وبعض العواصم العربية.. في ذلك الزمن الخصب بالاجتهادات على صعيد الثقافة والإبداع والسياسة.
وحول التأثير المتوقع لغياب الماغوط على الحركة الأدبية العربية، يرى د.عرسان أن «الماغوط» أدى ما أداه وكان مقلاً أو شبه متوقف عن الكتابة في الفترة الأخيرة، إلا إذا ذكرنا ما كان يكتبه في جريدة «تشرين» السورية من مقالات صغيرة، لذلك فإن ما أداه منذ عقود من الزمن حتى العقد الأخير من حياته هو كل إنتاجه ومن ثم فإن تأثير الماغوط الأدبي موجود.
فيما كتب وغيابه الآن هو غياب جسده وإنتاجه الجديد وهذا لن يؤثر كثيراً في الحياة الأدبية المستقبلية، خاصة وأن تأثيره سيبقى من خلال تأثيره الذي كتبه ونشره سابقاً.
صاحب تجربة فريدة
عبر الهاتف جاء صوت الفنان «دريد لحام» رفيق دربه المسرحي، محملاً بالحزن والشجن، مؤكداً أن علاقته بالماغوط التي لا تشبه أية علاقة أخرى، فهو المحب للحرية، العاشق للوطن، بكل سحره وألمه الخاص ونبضات قلبه الرهيف.
فمن يقرأ الماغوط يكتشف ذاته أكثر لأنه يكتب عن هواجس الإنسان وأحلامه وكأنه في داخل كل منا.. لذلك كان سعيداً وهو يترجم أحاسيسه وإبداعاته في أعمال: (غربة، ضيعة تشرين، شقائق النعمان، كاسك يا وطن، الحدود، التقرير).
قائلاً: التقيته قبل سفره إلى «دبي»، كان فرحاً ومشرقاً.. فرحنا له، لأنه صاحب تجربة فريدة، كتب المقالة السياسية والشعر والرواية والمسرح، لذلك سيترك غيابه فراغاً لا يعوض، لأن «الماغوط» تراث أدبي وفني كبير ومسافر أبداً عبر الأمكنة والأزمنة والمسافات.
رجل غربة بامتياز
أما الروائي والأديب حسن حميد، فيعترف أنه من سوء حظه أنه تعرف على «الماغوط» وهو قعيد مقعده الطويل قائلاً:
كنت بين يوم وآخر أزوره، وكانت آخر زيارة قبل وفاته بيوم واحد، وعلى عادته في مقعده الطويل تحدث لنا عن الماضي وعن أجزاء ومساحات من طفولته، كما تحدث أيضاً عن المشهد الشعري والثقافي الراهن وعندما أتى ذكر أسماء بعض الكتاب والشعراء والأدباء أدلى بدلوه.
محمد الماغوط قبل يوم واحد من رحيله، لم أره صافياً كالنبع مثل ذلك اللقاء، لأنه كان يتحدث بمودة بعيداً عن مزاجه العالي في أكثر الأحيان.. تحدث عن الشعر.
وعن الأجيال الجديدة، ومن المؤسف أن هذا المبدع الذي أدمن الغربة، رحل غريباً ووحيداً فوق مقعده الطويل، لكأنه عقد صفقة مع «ملك الموت» أن يأتيه وحيداً كي لا يراه أي إنسان، وقد رفت هدبه أو أصابته حالة من الوجل..
حتى عندما دخل ابن أخته الذي يعيش معه مساكنة في البيت، وجده متمدداً على طريقته فلم يشأ أن يزعجه وظن أنه في غفوة أو في حالة وسن، فقام بكل واجبات المنزل.. أعد الطعام وهيأه وحاول أو يوقظه إلا أن الماغوط كان قد ذهب بكامل الطمأنينة، وكامل هدوئه وصفائه ومشهديته الشعرية. ويتابع رئيس تحرير مجلة «الموقف الأدبي» السورية بوحه قائلاَ:
كنت أول من أخبره بنيله «جائزة العويس»، عندما تحدثت إلى الشاعرة «غالية خوجة» من الإمارات فوددت ملهوفاً أن أخبره كأول شخص، وفعلاً عندما أخبرته سألني عدة مرات هل حقاً أعطوني الجائزة..؟!
وكنا كلما نذهب إلى حديث آخر يعيد علي السؤال هل حقاً أعطوني الجائزة..؟ كان فرحاً بها، وقد عاد من «دبي» ممتلئاً بالبهجة والفرح، وعندما سألته إلى أين ذهبت أموال الجائزة قال لقد أرسلتها إلى ابنتي شام وسلاف.
مؤكداً أن الماغوط رجل غربة بامتياز لا يشبهه في غربته سوى «محمود درويش» الذي تغلغلت المديَنة في روحه، في حين أن البرَية والتوحد ما زالت تسكن شغاف الماغوط وروحه.
دبي ـ أنس الأموي: