هو قدر الساحة الثقافية العربية ان تخسر كبارها من المبدعين الواحد تلو الآخر، في أكثر الأوقات حاجة إليهم، وهو قدره الماغوط ان يرحل عنا بعد زيارته الأخيرة لدبي، التي كرمته بجائزة العويس الثقافية، فكان حضوره طاغيا، وكان الجميع مسكونين بفضول الاقتراب منه، والحديث معه، فالماغوط يتجاوز كونه شاعرا ومبدعا إلى كونه ظاهرة بكل ما تعنيه هذه الكلمة.

وكان وهو المريض المتعب لا ينفك يلقي ضحكته المتحشرجة على الجميع، و لا يترك لسيجارته فرصة الانطفاء، متحدياً كل إشارات منع التدخين الموجودة في كل مكان، فهو بكل بساطة لا يراها، ربما لأنها قائمة على المنع وهو الذي عاش حياته وكتب الكثير من أعماله تحت طائلة المنع.

الماغوط لا يُرثى، لأنه بكل بساطة لم يمت، بل أقصى ما يمكننا تخيله، أنه يستريح في ركن مظلم من المقاهي والحانات التي كان يرتادها، لتكبر أسطورته على مهلها، أسطورة الشاعر الذي بنى مملكة من النثر، مؤسساً، ومجدداً، في سياق قصيدة انخلقت بين يديه، وكبرت حتى صارت، تُلمس، وتؤكل، وتُلبس، وتُردد في كل مكان.

الماغوط لا يُرثى، لأنه الراثي الأكبر لهذه الأمة، التي أضاعت بوصلتها من سنين طويلة، وراحت تتجلى أمامه بأشكال مختلفة، لكنها ظلت بأحسن حالاتها معتقلاً كبيراً، سراديب تعذيب، رقابات فكرية جائرة، صحف باهتة، ثم كان على هذا الرجل الذي خرج من بطن الفقر، أن يعيش هذه التجليات، وأن يرصدها بلغة دامية، صدامية، مؤرقة.

وكان عليه بعد أن توحشت الأنظمة، وكبرت أنيابها، للدرجة التي لم تعد فيها القصيدة، والمسرحية، والسينما، قادرة على فعل شيء، كان عليه ان يختار عزلته في منزله الصغير بعيداً عن كل هذا العبث والجنون.

كان الماغوط بيننا منذ مدة لم تتجاوز الشهر، استنشق ذات الهواء، وتحرك تحت ذات السماء، وتوقفت السيارة التي كانت تقله في تحركاته أمام نفس إشارات المرور، ولعله شاركنا الفرح بالمطر الذي هطل جميلاً وناعما عشية وصوله إلى دبي.

وكان السؤال الذي تكرر كثيرا ولا يزال، ما الذي كان سيفعله الماغوط بمبلغ الجائزة لو أنها وصلت إليه قبل عشر سنوات مثلا، أي مسرات كان سيحياها بيمينه ويساره، وهو الذي اختار ان تكون أفراحه، أفراح الناس اليومية.

وأن يكون ابن البلد، الذي رسم الفقر على وجهه ونظرته للأشياء، ملمحه الخاص والمؤثر، الرجل الذي فقد خيط سبحته برحيل زوجته المفجع، التي لم يستبدلها بأخرى، وإن تعددت الأخريات من حوله، لتظل سنية صالح شريكته في المحن، والتي كتب فيها واحدة من أجمل المرثيات، ومن أكثر قصائده حزنا، وهو الذي اتسمت تجربته بحزن ساخر فريد من نوعه.

كبيرة هي خسارة الماغوط، فمثل هذا الرجل تفتقده المدينة كثيرا، خطواته البطيئة المتثاقلة، نظراته العالقة في وجوه الناس الذين كان يتسكع بينهم، راصدا تلك التفاصيل الصغيرة التي لا يلتقطها غير المتسكعين الكبار، ومن هنا فإن خسارة الماغوط ليست مرتبطة بكونه مبدعا عربيا كبيرا فقط، بل بكونه معادلة إنسانية مستقلة، جزيرة من الحزن.

وشاعر اختار الحياة كرهان مبدئي، وكمختبر لقدرة القصيدة أن تكون جزءاً لا يتجزأ من هذه الحياة، تلك القصائد التي كان يكتبها في المقاهي، والحاناة.

وباصات النقل العامة، مراكز التوقيف، قبل النوم وبعده، وخلاله، قصائد تكتب على عجل وبحساسية عالية ونادرة، توضع في الجيب الخلفي للبنطال، وتهمل بين أوراق البيت وفوضاه، ولذلك يفترض ان يكون في بيت الماغوط تركة مهمة من القصاصات والكتابات والملاحظات.

الماغوط لا يرثى بل يترك هكذا كما شاء، حراً، ومتحرراً، يلاحق خسائره المتلاحقة، » حتى حين ربح خسر « كواحد من فقراء دمشق، بيروت، القاهرة.

وكقيمة إنسانية كبيرة، مضى مع الحياة إلى أقصاها، ولعل قلة إصداراته دليل على انشغاله في يومياته، التي رحل قبل أن يكتبها، تاركا آخر أعماله الشعرية التي صدرت عن دار المدى تحت عنوان «البدوي الأحمر».

مضى الماغوط نحو أسطورته الخاصة، وعلينا كلما دخلنا احد المقاهي أو الحانات ان ننظر جيدا في تلك الزوايا المهملة، سيكون هناك، يضحك، ويدخن، ويكتب، ويصرخ في وجه الناس «مخذولاً أنا، لا أهل ولا حبيبة» أتسكع كالذباب المتلاشي «كمدينة تحترق في الليل» والحنين يلسع منكبي الهزيلين «كالرياح الجميلة، والغبار الأعمى» فالطريق طويلة و«الغابة تبتعد كالرمح».

حازم سليمان