يبدو أن القائمين على برنامج الأنشطة والفعاليات الثقافية المصاحبة لمعرض أبو ظبي للكتاب في المجمع الثقافي؛ قد أخذوا على عاتقهم التنويع والاختيار القائم على مواكبة الشؤون المعاصرة في استضافة المحاضرين والمفكرين العرب في هذه الدورة.

وكانت الأمسية التي أقيمت مساء اول من أمس ، وجمعت الدكتور عبد الوهاب المسيري -صاحب الموسوعة اليهودية الشهيرة- بالدكتور أحمد خليل المتخصص بالفكر الإسلامي؛ إحدى علامات هذه البرنامج المميزة.

بدأ المسيري المحاضرة المعنونة «الإسلام والإسلاموفوبيا» بشرح مقتضب لمعنى «الفوبيا» الاصطلاحي الذي يقوم على أساس الخوف والهلع الذي يصل إلى حد الهوس في أحيان كثيرة لدى الإنسان من بعض الظواهر التي قد تبدو عادية لدى الآخرين، ثم بيّن بصورة مقارنة.

ـ وهو الأساس المنهجي الذي ينطلق منه في جميع كتاباته حول الأديان والسياسة والفكر الإنساني ـ بين «الفوبيا» النفسية تلك؛ وما يناظرها في العالم الغربي الحديث عن الإسلام والمسلمين.

وقال: إن هذا الهلع والخوف المنتشر في الغرب حالياً تجاه الإسلام، نتج لأسباب وعوامل أخرجته من إطاره التاريخي والمنطقي إلى الإطار النفسي المرضي، وتدور في أذهان الغربيين ـ والمسلمين على حد سواء ـ تساؤلات كثيرة حول أسباب وعلل الكراهية من قبل الآخر، ولكل طرف منهما تفسيره الخاص حول ذلك، وربما كانت بعض هذه الأسباب ذات أسس حقيقية .

وفيها شيء من الصحة؛ إلا أنها لم تكن في يوم ما سببا وحيداً، وأنا؛ في طروحاتي المتكررة أدعو إلى »التعددية السببية» لا «الواحدية» في جميع التفسيرات للتاريخ الإنساني والعلاقات الكونية.

وأوضح المسيري أن العداء المستشري في الغرب تجاه الإسلام في الوقت الراهن، لم يكن وليد اللحظة أو الصدفة؛ بل انه يعود إلى أكثر من ربع قرن خلت ـ تحديداً أواخر السبيعنات مع نمو الظاهرة الإسلامية.

- وأكد أن مبدأ التحالفات التي قادها الغرب فيما سبق تؤكد صحة فرضية بحث الغرب عن المصلحة «البرغماتية» البحتة مع دخول عناصر أخرى تذكي الصراع مع الآخرين.

وأضاف المسيري: أتصور أن داخل الحضارتين «الغربية» و«الإسلامية» مجموعة عناصر جاذبةّ و«رافضة» بحسب المتغيرات التاريخية والظروف المحيطة بها أسهمت في تجذّر الكراهية والصراع في أحيان كثيرة، وأول تلك العناصر؛ عنصر الجوار الحضاري، والذي تأثر وأثّر إلى حد كبير في صعود وهبوط الحضارتين عكسياً عبر التاريخ.

أما العنصر الآخر ـ أضاف المسيري ـ فهو يكمن في التلاقي الحضاري حول الأديان، والمتمثل في نمط التعبّد التوحيدي المشترك للديانات الثلاث «اليهودية ـ المسيحية ـ الإسلام».

والذي يعرف في الدراسات الغربية المعاصرة بإطار «التوحيد المتجاوز» بمعنى فلسفة رؤية «الله» وتجاوزها للطبيعة والتاريخ، وهو ما يصهر هذه الديانات ـ على رأي البعض ـ في بوتقة واحدة من المفاهيم الأخلاقية والقيمية.

وقد أحدث التشابه بين قيم الأديان الثلاثة شبهة لدى الباحث الغربي جعلته يحكم على الإسلام بأنه صورة مشوهة عن المسيحية، أو كما أطلق البعض على الإسلام بأنه «هرطقة مسيحية»، وقد أسهم هذا العنصر في تشويه بعض المعتقدات والمفاهيم الإسلامية لدى العالم الغربي.

ثم تطرّق المسيري إلى بعض العناصر المستحدثة في قضية الكراهية المتبادلة، ومن هذه العناصر: وجود الأقليات الإسلامية الضخمة في العالم الغربي، والذي أسهم في مرحلة ما في حوار حضاري مع بعض الفئات الغربية المعتدلة، ولكنه يسهم في الوقت الحالي من تزايد الرعب في المجتمع الغربي من «القنبلة البشرية الإسلامية» التي تعيش في أعماق الكيان الغربي.

ويكمن الخوف من هذه الظاهرة الديموغرافية ـ على حد قول المسيري ـ من تراجع معدلات السكان والولادة في الغرب، مقابل التصاعد الهائل للسكان لدى المسلمين، وأحال المحاضر الحالتين إلى عوامل أنثروبولوجية تخضع لفلسفة كلتا الديانتين المسيحية والإسلامية.

وهو الأمر الذي حدا ببعض الكتاب الغربيين إلى التحذير من انحسار العنصر الغربي في بلاده مقابل حصول المسلمين على الأغلبية ـ وهو أمر مبالغ فيه على رأي المحاضر ـ ومن العناصر المهمة التي تحدث عنها المسيري في هذا الصدد عامل هجرة الجماعات البشرية، حيث قال:

حين انتشرت الهجرة الجماعية لشعوب وأعراق مختلفة للسكن والاستقرار في أميركا والعالم الغربي، لم تحمل أي من تلك الجماعات أي منظومة فكرية أو عقائدية تخالف أو تشكل على الأقل تحدياً لمنظومة المجتمع الغربي.

بينما حمل المهاجرون المسلمون إلى العالم الغربي معهم منظومة قيم وعقائد وعادات بدأت تبرز كتحد واضح لقيم وعادات وفكر المجتمع الغربي.

وحول عنصر «الهوية» التي تقوم على معرفة الذات عن طريق مقارنتها بالآخر؛ قال المسيري: حين غزا نابليون العالم؛ حذر من الصين ودعا إلى عدم إيقاظ العملاق الأصفر من نومه، وحين قامت الحرب الباردة كان الخطر الشيوعي الأحمر قائماً بالنسبة للفكر الغربي.

أما اليوم فيأتي دور الخطر الإسلامي الأخضر والذي يشكل حسب المفاهيم الغربية المحكومة بعناصر وقيم لا تتفق والعقلانية في الكراهية، ولقد ادعت الحضارة الغربية -أو هكذا أشيع عنها في العالم ـ أنها قائمة على تحديث نفسها عبر استخدام العقل والتكنولوجيا والمنطق في الحكم على الأمور.

بينما نجد أنها ـ لو نظرنا إليها بتجرد علمي ـ قائمة على مبدأ «دارويني» مادي بحت يقوم على الغريزة لا العقل في العلاقة مع الآخر ومع حركة التاريخ، وبغياب المعايير والقيم العقلية والأخلاقية يبقى عنصر القوة هو الذي يسيّر هذه الحضارة.

وخير من وصف حالة الحضارة الغربية عند نهوضها وسيطرتها على العالم، هو أحمد بن بيله، حين قال ـ حين قام هذا الإله الصناعي الحديث، قضى في طريقه على أكثر من 100 مليون إنسان.

وسحق أعراقاً وأباد شعوباً وثقافات بكاملها، من الهنود الحمر والأفارقة وانتهاءً بالتتار وغيرهم من شعوب الأرض ـ إذن فالحداثة الغربية هي حداثة «داروينية» وبالمحصلة هي حداثة «إبادية»، ومن هذا المنطلق، فأنا أدعو إلى الاحتفال بجميع محارق البشرية ومن بينها «الهولوكوست» كجزء متكرر من الحداثة الإبادية.

ثم انتقل المحاضر للحديث عن علاقة الإسلام السياسي بالغرب، جاعلاً من العلاقة المعقدة والتاريخية لزعيم تنظيم «القاعدة الإرهابي» بن لادن وأميركا نموذجاً لتلك العلاقة، وقال: إن عداء الغرب ليس مطلقاً للإسلام في الوقت الحالي؛ ولكن العداء ينحصر في المقاومة الإسلامية'' بجميع أوجهها.

وقد كان هذا العداء في مرحلة من المراحل متجهاً نحو «الفكر القومي العربي» حين كان مقاوما، لهذا فإن لجنة الحريات الدينية الأميركية التي زارت مصر قبل فترة، دعت في توصياتها إلى تشجيع الفكر الصوفي ونشر التصوف في أرجاء العالم الإسلامي، وبحسب رأيي الخاص أن «التصوف الحلولي» أو القائم على «وحدة الوجود» هو مرحلة قديمة من مراحل العلمانية.

وتساءل المسيري: هل من مخرج للعالم الإسلامي في نقطة الكراهية الغربية بالذات؟ وأقول ان هناك عدة مخارج لتخفيف العداء، منها أننا يجب أن لا نترك للغرب مفردات السلام والحوار وننزوي بعيداً، بل يجب أن نحاور الغربيين على مستوى الأنداد ومن يتفهمون معنى الحوار، وأعتقد أن الغرب يفهم الإسلام بصورة جيدة وكافية ولهذا يعاديه.

ولا ضير من إرسال رسائل مسلحة لمن يحمل مدفعاً في يده لترهيبي، ولكن يجب أن يرافق ذلك الحصول على مكاسب سياسيةكمافعل «الفيتناميون» حين كانوا يقاتلون الأميركان، ويجب أن نطرح على من نحاورهم العديد من القضايا الواضحة، من بينها:

الدعم الغربي اللامحدود لإسرائيل، دعم الحكومات العربية الشمولية، وتسليط الشركات الكبرى والبنك الدولي على مقدرات شعوبنا، والقائمة السوداء تطول في هذا المجال، وباعتقادي أن أميركا لم تدفع لحد الآن ثمن دعمها لإسرائيل، وأن الغرب الذي يدعي المسيحية هو كيان «وثني» يدرك بحواسه أكثر مما يدرك بعقله.

ثم تحدث الدكتور أحمد خليل عن الأهداف الرسالية للأمة الإسلامية بوصفها الأمة الخاتمة، وبدأ حديثه بتفسير «ابن خلدون» لما يعرف بالتسلسل الهرمي الحياتي للأمم صعوداً وهبوطاً، مبيناً أن الأمة الإسلامية إن أرادت حقاً أن تنهض من جديد فيجب عليها أن تكون بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقها باعتبارها وريثة للأنبياء.