بعيداً عن زمن السرد والزمن الوقائعي والتخييلي و... هناك زمنان تكتنفهما الخصوصية ويشوبهما الغموض أحياناً، ويقتربان من حد التداخل ويبتعدان لدرجة الافتراق أحياناً أخرى.

ويندرجان في الوقت نفسه تحت مسمى «زمن الكتابة» لكن الأول يتعلق بالزمن الذي يقوم فيه الكاتب بفعل الكتابة، والثاني يرتبط بالعصر أو المرحلة التي يُكتب عنها ... وانطلاقاً من هذا يمكننا ربط الكتّاب بثلاث حالات : الكتابة عن الماضي البعيد أو القريب، الكتابة عن الحاضر، والكتابة عن المستقبل ... ولكن ماذا عن زمن فعل الكتابة؟

في الوقت الذي يعبر فيه الكاتب الكولومبي غابريل جارسيا ماركيز عن ندمه في أحد حواراته لأنه بدأ في كتابة رواياته قبل الخامسة والأربعين من عمره ، نجد الروائي الألماني هيرمان هيسه قد عاش نصف قرن من عمره يسافر.

ويتأمل ويبحث... ليكتب بعد ذلك رواية «سد هارتا» مثلا، بينما الأميركي هنري ميلر ظل يعيش ويكتب طيلة حياته، وهي من الحالات التي تتداخل بها الأزمنة مابين الماضي القريب، وأحياناً البعيد، والحاضر من جهة.

وزمن فعل الكتابة من جهة ثانية، وإن كان ميلر هو الأقرب من يومياته، إلا أن تلك الحالة تنطبق على الكثير من الروائيين العرب أمثال نجيب محفوظ وعبدالرحمن منيف ورشيد بوجدرة وحنا مينة... وغيرهم.

وبغض النظر عن «التخييل» القاسم المشترك بين كل المبدعين ، وخروجه عن سطوة كل الأزمان ، يتقاطع أغلب الكتاب العرب بالعودة للماضي ، لكنهم يختلفون بزمن فعل الكتابة، وبطرق تناولهم لهذا الماضي، فمنهم من يحفر بالتاريخ.

ويستعيد أحداثاً حقيقية وقعت ليسقطها بشكل أو بآخر على الحاضر، والأقرب إلى ذلك حالياً هو اللبناني أمين معلوف بما اشتغله على الماضي الأندلسي .. ومنهم من يتكئ على كتب بحثت في التاريخ ، أو على حكاية ما، أو نص ما ، كما فعل المصري جمال الغيطاني مع نص ابن إياس ..

إذا كان التخييل يضفي أحيانا على الزمنين بعض الغموض، فان التداخل بين الأزمنة يفعل الشيء ذاته من جهة، ويعطي لكل كاتب خصوصيته من جهة ثانية، إضافة لتلك التي تميز كاتباً عن آخر في طقوس وأوقات وطرق الكتابة ومستوى نضوجه ووعيه، لكن ما يميز قلة قليلة من الكتّاب ، هي حالة الكتابة عن المستقبل، والتي فيها يفترق تماماً فعل الكتابة عن الزمن المكتوب عنه ..

. وبعيداً عن قصص الخيال العلمي التي تعتمد على معادلات ونظريات وفرضيات علمية، فإن البريطاني جورج أرويل الذي كتب في عام 1948 رواية تتحدث عن الحياة في عام 1984، هو الأشهر عالمياً...

و ربما يمكننا القول إن الجزائري واسيني الأعرج هو الأندر والأشهر عربياً حتى الآن، بالرجوع الى روايته «مخطوطة شرقية» التي تتحدث عن زمن يبعد خمسين سنة في المستقبل من لحظة الانتهاء من الكتابة..

وهذا لا يعني أن ثمة تصنيفاً محدداً لكل كاتب، فقد يجرب الكتّاب جميع الحالات عبر الأزمنة، لكن ثمة حالات يبدع فيها كاتب دون آخر، وحالات تثير الأسئلة حول تداخلها.

وحالات حول دقتها، كأن يكتب كاتب ما رواية عن حادثة لم تنته بعد، كما فعل اللبناني ربيع جابر في روايته «تقرير ميلتس» المتعلقة بتقرير حول مقتل رفيق الحريري مازال إعداده - أي التقرير - جارياً حتى الآن ....؟!.

mah7z@hotmail.com