جذب الإعلان عن أمسية لأدونيس كل المهتمين والمتتبعين لتجربة هذا الشاعر الذي وصفه مقدمه صقر أبو فخر «بأنه العارف الذي لا يعُرّف».

وأدونيس لم يأت ليلقي الشعر وإن كان قد افتتح أمسيته بقصيدة تختزل كما قال:

«مراحل مختلفة من حياته الشعرية» إنما جاء ليجيب عن أسئلة الجمهور في لقاء جمعه بهم مساء أول من أمس في قاعة ابن ماجد في المجمع الثقافي في أبوظبي، في إطار الفعاليات المقامة على هامش معرض أبوظبي السادس عشر للكتاب.

والجلسة رغم كثرة عدد حضورها الذين يتقدمهم زكي نسيبة نائب رئيس هيئة أبوظبي للثقافة والتراث تتصف بالحميمية، والأسئلة المطروحة اختزلت ما يريد الكثيرون أن يعرفوه عن رأي أدونيس في الشعر والسياسة والوطن واللغة وعندما أجاب أدهش الحضور كما أدهشهم شعره من قبله حتى انهم كانوا يرددون عندما خرجوا: لا يمكن أن نقول إلا أنه أدونيس.

أدونيس الذي قال ردا على رأيه بانتقاد الغذامي لتجربته: أعترف وهذا خطأ كبير من أخطائي بأني لم أقرأ ما كتبه الغذامي إلا بعض تفسيراته عن النثر، ومن حيث نحن حداثتنا رجعية لا أريد أن أدخل بتحديد معنى الرجعية والحداثة إنها قضايا صعبة جدا، أخالفه إلى ما ذهب إليه لا لأنه ينتقدني .

أو ينتقد صديقي الشاعر الراحل نزار قباني لكن لأن موقفه ليس إلا تبسيطا للموقف لا أقول الماركسي «إنما الذين طبقوه باسم الشيوعية والاشتراكية» إنه نقد يربط العمل الأدبي بمصالح المجتمع.

ويربطها على شكل مباشر وعلى نحو سطحي، وقلت من زمن وأكررها الشعر لا يكون شعبيا بالضرورة عندما يتحدث عن الشعب، ولا يكون سياسيا عندما يتحدث عن السياسة.

أبو نواس عمل ثورة من الحساسية والثقافة والشعرية، أوجد قيما جديدة مدنية مقابل قيم الجاهلية والبداوة، لا يعنيني انها مفاضلة، ولا أقول على سبيل المثال ان أبا نواس حرف مسار الشعر، كان في اتجاه وحرفه في اتجاه آخر، فالذي يعرف اللغة بالسلطة والأدب السائد أي خلخلة بالقيم الثقافية السائدة خلخلة في السياسة القائمة.

وأبو نواس أحدث ثورة سياسة لكنه لم يتكلم عن السياسة، شعراء كثيرون تحدثوا عن السياسة وانتهى شعرهم بانتهاء المرحلة التاريخية، والشعر الحقيقي هو الذي يخرج من الناس من قناعاتهم وإخراج الناس من قناعاتهم بالعمق عمل سياسي ، وإن لم يزل الغذامي بالإطار التقليدي لا يميز بين الأنا الفردية والأنا التي تملك بعدا إنسانيا.

واستشهد هنا بالحلاج فالأنا لديه ليست إلا تجسيدا للإنسان، والغذامي خلط بين المستويين ووقع بمسألة النسق لدرجة نشعر فيها كأنه إمام مسجد أكثر منه ناقد فني.

نحن في مرحلة تثبيت الهوية الفردية التي تؤكد على الأمة والفرد بوصفه كائنا مستقلا ليس إلا.أو رقما للمجتمع لثقافة الأمة هذه الثقافة تنقل البعد العميق الفردي الحر، لأننا بحاجة إلى تحطيم البنية الفردية، كي تبرز للإنسان شخصيته، وإذا القينا نظرة على التاريخ الذي تعرفونه لنقول من هم أكثر تقدما حسان بن ثابت أم أبو النواس أم أبو تمام والجواب تعرفونه.

و لكي تجدي في شعرك يجب أن تكون شاعرا والالتزام أن تنتج شعرا عظيما ،الشعر الرديء لا يخدم أي قضية، نسي الغذامي أن يشير إلى هذا.

وفي تعليقه على مواقفه من الحداثة وما إذا كانت هذه الجلسة تهدف للوصول لاكتشاف المجهول أكد أدونيس: «من قال ان الحداثة أن تترك امرأ القيس ،لم يقل أحد هذا.

وان لم أقله لا يمكن لشاعر أن يكتب شعرا حديثا إذا كان جاهلا بالشعر القديم، لا يمكن أن نوجد جمالا جديدا بلغة نجهل تاريخها الجمالي لكي تكون حديثا يجب أن تكون قديما، والشاعر يخلخل القيم الاجتماعية التي يعيش فيها فالمعري اعتبروه فيلسوفا أكثر منه شاعرا والفكر ضد الشعر.

ولكن ليس هناك من شاعر حديث وصل بعمقه وبنقده الخلاق إلى ما وصل إليه المعري وهو أستاذنا وأكثرنا حداثة، وليس هناك في اللغة الحديثة ما يضاهي لغة النفري الذي بقي ألف سنة حتى طبع في العام 1945 .

ولم يقرأه أحد حتى قرأته في العام 1965 وذهلت لأننا لا نعرفه، إن تقدمنا لولبي، والشعر اختراق للتاريخ والتاريخ يصبح جزءا منه، والهوية الحقيقية كامنة في الجوانب الإبداعية من الثقافة وللأسف نحن العرب لا نلتفت إليها على أي مستوى من المستويات».

وعندما سأله أحد الحضور لماذا لم يأت كتاب آخر يتمم ما بدأه في «الثابت والمتحول» وما رأيه بمستقبل الأقليات الدينية قال أدونيس:

«جرى التباس بالثابت والمتحول لم أكن مرة واحدة ضد الدين من حيث انه تجربة روحية وعلاقة بين الإنسان وبين الله ومثل هذه التجربة لأنها ولدت مع الإنسان يجب احترامها والدفاع عنها باستمرار، لكن تخون نفسها عندما تريد أن تكون مؤسسة وتفرض على الجميع سياسيا واجتماعيا.

وهنا أعتقد أن التجربة تكون ضد نفسها من المستحيل أن نحلم الحلم نفسه كلنا يحلم حلما مختلفا عن الآخر، وكلنا يتصور الغيب بطريقة مختلفة ،إنها أشياء لا تفرض بتشريع».

أما بالنسبة للأقليات لا أستخدم اسم الأقلية :أقلية ثقافية أو أقلية دينية، واعترافنا بما يسمى أقليات هو اعترافنا بتفتت المجتمع ،وكسياسة الأقلية تخضع للأكثرية وهذا خلل أساسي بالمجتمعات العربية.

ونحن نلمس نتائجها المرعبة، وبعد قرن بأكمله نتحدث فيه عن الوحدة والقومية، تبدلت لدينا القناعات و حل الخطاب الديني، لهذا يجب على المفكرين العرب التأمل.

وعن أزمة الوضع عند أدونيس وإلى متى سيبقى في باريس قال: «أحزن عندما أجد نفسي مرتاحا في باريس، أو عندما أكون أكثر ارتياحا في باريس أكثر من أي بلد آخر، وليس هذا لوجود الديمقراطية لأنها ديمقراطية لا تخلو من الأخطاء.

و بعض الفرنسيين في ممارساتهم عنصريون والكثير منهم يكره الأجانب، لكنّ هناك قانونا فإذا لم تسِئ بالمعنى القانوني لا أحد يقترب منك، ولأن هناك قانونا فهناك حرية، واليوم تعيش في باريس وترى العالم، ترى مسرحه .

وتستمع لموسيقاه وتقرأ نتاجه فباريس مدينة ملخصة للعالم، الانفتاح والأجانب صنعوا باريس، و أعود للقول يستحيل أن تكون هناك ديمقراطية مادام هناك مفهوم الأقليات أو أن الدين يربط بالسياسة.

أما المنفى فيلاحقني حتى في بيتي أشعر بمنفى، وكأن الشعور بالنفي لا ينتج عن مجرد الجغرافيا إنما في لغة الإنسان نفسها».

وعن رأيه إن كان العرب قد تأثروا بالأدب والشعر الغربي كما تأثروا واستخدموا الصناعات الغربية قال أدونيس: «الكثير من النقاد لاحظوا التأثر بالشعر الغربي.

وهناك الكثير من الشعراء الغربيين الذين تأثروا بالشعر العربي، والشعر مثل فضاء مفتوح مثل الهواء وأي شاعر لا يستنشق الهواء الموجود في العالم يكون معزولا عن العالم.

كيف نجيز لنفسنا ونغضب إذا تم قراءة بودلير ،إليوت رغم أنه من الطبيعي أن يكون هناك تأثير والتأثير شيء واختراق هذا التأثير شيء آخر، لا يوجد شاعر يبتكر فالموضوعات جميعها موجودة.

ولكن القضية كيف تفصح عن هذه الموضوعات، واللغة العربية التي أحبها أكثر من أي لغة لها خصوصية إذا كان تأثيرك ناتجا من قلب اللغة العربية أو لا، فالغرب يتأثر بأدبنا ويقرؤون لجلال الدين الرومي، وأبي تمام وغيرهما حتى أن هناك قصيدة اسمها امرؤ القيس.

ما الذي سيحدث لو كتبت قصيدة بعنوان بودلير أكيد ردة الفعل ستكون مختلفة ، فالغرب مجتمع ليس لديه أي عقدة يعي دور الشعر والشاعر في المجتمع ، وإذا كان المجتمع يؤمن بدور الشعر الحقيقي نحن أمة الشعر أمة العرب اليوم أقل الأمم فهما للشعر وتقديرا للشعر.

وإذا بقي للناس شيء فهو اللغة والشعر ونحن نسحقهما يوميا على مستوى المؤسسة وليس على مستوى الأفراد، فمن قال ان الشعر العمودي رديء، جميع الشعراء بالغرب كتبوا العمودية بلغاتهم».

وعن حال اللغة العربية أكد أدونيس: «لا أحد ينكر أن اللغة العربية في أزمة، وأن بعض المدارس تعلم العربية بشكل ثانوي وكأنها أجنبية، هذه الظاهرة يجب أن نتوقف عندها لا توجد لغة عظيمة ولغة رديئة هناك لغة أكثر اشتقاقا وقابلة للنمو والتوسع، لكن الخلل في العقل و الفكر الذي يستخدم هذه اللغة.

الرئيس الفرنسي جاك شيراك خرج من مؤتمر احتجاجا على فرنسي تكلم بالانجليزية ولم يتكلم الفرنسية، وهنا عمل شيراك كمواطن فرنسي يدافع عن لغته، لكن العربي.

وفي جميع المؤتمرات يسارع أن يتكلم باللغة الموجودة، كيف يمكن لعربي في مؤتمرات كاليونسكو ورغم الترجمات الفورية أن يتكلم بلغة أجنبية، اللغة العربية بأزمة مستوى معرفتها، حتى أن بعض الخطباء الدين لا يتقنون اللغة العربية.

واللغة كأي كائن حي ممكن أن تموت، هناك لغات ماتت علما بأنها كان عظيمة في حينها، ورغم أن القرآن يصونها لكن على المؤمنين أن يتعلموا القراءة الصحيحة كي يقرؤوا القرآن.

ونحن اليوم نتكلم عن الحضارة العربية التي توقفت من القرن العاشر، أي لا حضارة إلا للماضي الذي لم يعد موجودا، والحوار الثقافي الآن هو تمويه للحوار السياسي».

وعن تقييمه لمسيرة الحداثة أشار الشاعر أدونيس: «الحداثة تخضع لتعريفات كثيرة ومنذ 100 سنة هناك دراسات عن الحداثة، وليس هناك أي اتفاق على مفهوم الحداثة إنما مدلول الحداثة، وأول من تكلم عن الحداثة هم العرب لقد قال التقليديون عن شعر أبي تمام :إن كان هذا شعرا فكلام العرب باطل».

إذاً هناك قضية بين الحديث والقديم لكن ليس على كل المستويات، يكفي على مستوى علاقة الشاعر بالحياة فالشاعر الذي يعيش في بغداد لابد أن يكتب شعرا عن بغداد لارتباطه بالحياة اليومية هناك ولكن العلاقة باللغة الشعرية.

والعلاقة الجديدة مع الكلمة بأنها مختلفة عن العلاقات السابقة، وبرأيي انجازاتنا قليلة جدا وهي شكلية فهناك من يكتب قصيدة نثر ويبقى تقليديا.

أبوظبي ـ عبير يونس: