قال الباحث الدكتور غسان الحسن: إن الحاجة ما زالت ماسة لتنظيم العمل في مجال التراث الشعبي وتقويته على أسس سليمة إذا أريد لهذا التراث أو ما بقي منه أن يظل معنا؛ ثقافة وحضارة، ورمز انتماء وخصوصية، ولون هوية.
ويحتاج ذلك إلى وجود جهتين الأولى «رسمية» تضع استراتيجية عامة للعمل التراثي، وأخرى «أهلية» تجمع العاملين في مجال التراث الشعبي لتجميع الجهود والتنسيق بينها؛ جاء ذلك خلال الندوة الثنائية التي جمعته بالأديب الإماراتي أحمد راشد ثاني .
وحملت عنوان «تجربة جمع التراث بالدولة بين الجهود الفردية والمؤسسية» ضمن فعاليات معرض أبوظبي الدولي السادس عشر للكتاب الذي تنظمه هيئة أبوظبي للثقافة والتراث في المجمع الثقافي.
بدأ غسان الحسن بتقديم نبذة عن «جمع التراث الشعري» في الإمارات، وأوضح بعض سمات هذا الجمع وكيفية تداول الناس للشعر التراثي، وقال: رغم أن الرواية الشفوية هي التي حفظت لنا أشعار السابقين التي ما وجدت فرصة للتدوين.
إلا أنها حملت آثاراً سلبية على القصائد والأشعار المروية، فتسببت في تغييرات وتبدلات جزئية كثيرة أو قليلة، نجمت عنها ظاهرة تعدد روايات القصيدة الواحدة واختلافها.
في حين تقف الأسس الفنية للشعر دون تفاقم هذه الآثار، فالوزن الموسيقي والقافية المنتظمة يعملان كضابطين يحولان دون انفراط عقد بيت الشعر ومتن القصيدة، ويجعلان حفظ الشعر أسهل على الذاكرة وأسهل في الاسترجاع.
أما أسباب اختلاف الروايات الشفوية بما يخص التراث الشعري؛ فقد عللها غسان الحسن بالنسيان وطول الزمان وتقدم عمر «الرواية» واختلال صحة الراوي؛ إضافة لقلة استرجاع المعلومة والتوهم وتداخل المحفوظات، وفي بعض الأحيان يمكن أن يدخل التزييف وتعمد التغيير ضمن هذه الأسباب.
وأضاف: لئن كانت الذاكرة هي الخازن الوحيد للمادة الشعرية؛ وهي كذلك بالنسبة للشعر النبطي القديم والوسيط، فإن من الطبيعي أن تقع في النصوص الشعرية الكثير من التباينات والاختلافات.
ومن هنا؛ فإن المسارعة إلى تدوين هذه الأشعار إنما هو واجب وطني وإنساني وثقافي يجب الحرص عليه، والمسارعة إلى فعله، لأن طول الزمن ليس في صالح هذا التراث الشعري الشفوي.
وقدّم الحسن شهادة حول تجربته الذاتية في مجال جمع وتوثيق التراث الشعري النبطي منذ استقراره في الإمارات عام 1974م، والأرضية الثقافية السابقة التي انطلق منها حين قدم أطروحته الجامعية «الحكاية الخرافية في الأدب الشعبي في ضفتي الأردن».
والعلاقة التي توطدت بينه وبين الشعر النبطي وشعراءه بعد أن أُسندت إليه من قبل وزارة الإعلام والثقافة «سابقا» مهمة الأشراف على شؤون الشعراء النبط المنتسبين إلى مجالس شعراء النبط في الدولة.
وقال الحسن: لقد وجدت أن جهودي بعد تلك الفترة تمثلت باتجاهين لا تناقض بينهما؛ الأول يدور حول تدوين وجمع وشرح أشعار المتميزين من هؤلاء الشعراء، والذي كانت باكورته صدور عدة دواوين عن الدائرة الثقافية كديوان «در القصيد في القائد الرشيد» .
وديوان «حمد بن علي المري» وهو من أول الدواوين النبطية التي قدمت شروحاً للألفاظ العامية الواردة في النص الشعري، وقد أثبتت الأيام صواب هذا الأسلوب، لتصدر بعد ذلك سلسلة من دواوين الشعر الشعبي بلغت 6 إصدارات، أما الاتجاه الثاني.
فقد تمثل في الدراسة العلمية للشعر النبطي بصورة عامة، وإلقاء الضوء على هذا اللون الشعري السائد في منطقة الخليج والجزيرة العربية والبوادي العربية بأسماء مختلفة.
وواصل الباحث غسان الحسن شهادته حول تجربته التي وثّق فيها خلال ما يزيد على الربع قرن العشرات من النصوص الشعرية والبحوث في مجال الشعر النبطي، واصفاً المراحل التي سبقت تشكيل لجنة الشعر الشعبي في نادي تراث الإمارات عام 1999م بمشاركته للشاعرين «علي مصبح الكندي» و«الكندي مصبح الكندي» في مراحل الجمع الأولى للنصوص النبطية .
والتي أثمرت عدة إصدارات للشعر النبطي، ثم انتقل الحسن ليروي عدة معالم رسخت في ذاكرته منذ تخصصه في مجال الشعر النبطي، والمقترحات والتوصيات التي قدمها إلى عدة جهات مؤسسة في الإمارات بغرض النهوض بدورها في جمع وتدوين التراث الشعبي للدولة.
والعقبات التي واجهت تلك المقترحات، كما تطرق الحسن إلى بعض النقاط التي أخلّت وشابت المصنفات الصادرة في مجال التراث الشعبي الإماراتي؛ فقال:
رغم كثرة تلك المصنفات إلا أنها لم تؤد إلى تكوين أرشيف للتراث الشعبي الإماراتي، لأن الجهود كانت فردية ولم تنطلق من جهة رسمية مركزية ذات استراتيجية واحدة.
كما أن حصيلة جمع العناصر الشفوية كانت قليلة مقارنة بما تم جمعه منها في دول أخرى، يضاف إلى ذلك أن أغلب الجهود المبذولة لم يقم على أسس علمية منهجية.
ثم قدّم الشاعر الإماراتي أحمد راشد ثاني ورقة حول «تجربة جمع التراث المحكي» وبدأها بالحديث عن عدم جدوى انعقاد مثل هذه الندوات عن التراث الشعبي التي تنعقد بصورة مظهرية تبحث عن جمهور لها؛ بينما الأجدى من ذلك - والحديث للشاعر- أن تقام ندوات بحضور متخصصين ومهتمين بالشأن التراثي، يتبادلون الآراء والأفكار بصور منهجية وعلمية.
ثم تناول الشاعر رصده لظاهرة «جمع التراث المحكي» من خلال عينة غاية في الأهمية تمثلت بمشروع جمع «التراث الشفهي لمنطقة الخليج» الذي قام به «مركز التراث الشعبي لمجلس التعاون لدول الخليج العربية» -الذي أُطلقت عليه رصاصة الرحمة العام الماضي، وتم إغلاقه.
- ونقل أحمد راشد ثاني صورة تلك الجهود وما أنتجته معلّقاً بشيء من الامتعاض عما أوردته الباحثة الكويتية «آمنة الحمدان» المشرفة على المشروع، من أن أحد ثمرات المشروع رصد مواقع الرواة والاستدلال عليهم في منطقة الخليج.
وأضاف: لقد كان فريق المشروع في صراع مع الزمن لأن الرواة في طور الانقراض لكبر أعمارهم وتباعد أماكنهم، وعند وصول الفريق إلى الإمارات واجه عدة عقبات مع المؤسسات في الدولة تمثلت بصلاحية كل مؤسسة واختلافها من حيث كونها «محلية» أو «اتحادية» والتشتت الذي عاشه الفريق بين تلك المؤسسات.
وأضاف أحمد راشد ثاني: لقد أخذ فريق المركز على عاتقه البدء بجمع الحكاية الشعبية لأول مرة في الإمارات، ويجدر بنا التساؤل الآن -ما الذي أفرزته تلك التجربة، وما نتج عنها بعد عقدين من الزمن، وما الذي طرحته من أسئلة جوهرية في موضوعة التراث المحكي؟
ويمكن من خلال رصد ذلك المشروع ملاحظة عدة أمور، منها؛ أن أغلب المتخصصين بجمع التراث في المشروع قد انزووا واختفى بعضهم عن الساحة كليا، ولم يتم منح أي أحد ممن شارك في المشروع التراثي الخليجي زمالة دراسية لتأهيل الكوادر المتخصصة بالتراث كما هو متفق عليه ومنصوص عليه في تأسيس مركز التراث الشعبي.
كما أن يوميات فرق العمل التي مسحت ميدانياً أنحاءً شاسعة من الإمارات لم تظهر -لا مطبوعة ولا مسموعة أو مرئية- وقد صدر عن المشروع جزءان من كتاب «حكايات شعبية من الخليج» كان حظ الحكاية الشعبية الإماراتية منها 14 حكاية فقط!! وقد كان الكتاب خالياً من أي إثبات بالمعلومات عن الرواة أو أماكنهم.
كما أن الشخص الذي قام بنقل الحكايات إلى الفصحى؛ نقلها بأسلوب سردي أفقد الحكاية بعض مقوماتها وامتياز راوٍ عن آخر في الأسلوب، والاستعاضة بمعجم خاص يختلف عن التركيبة العامية.
كما أشار أحمد راشد ثاني إلى الإهمال الواضح الذي عانته نتائج وتسجيلات فريق عمل المشروع في الإمارات بعد مسحهم الميداني وقضاءهم لشهور طويلة في البحث والجمع، فقال:
حين تساءلناعن نتاج التجربة الميدانية وما سجله فريق العمل في الإمارات، أُخبرنا بأن المركز قام بإرسال نسخة مسجلة إلى وزارة الإعلام والثقافة «السابقة» فقمنا بدورنا سؤال الوزارة عن ذلك فأخبرنا بأن النسخة ضائعة!!
فاتجهنا إلى دائرة التراث التابعة للشارقة وتم اخبارنا بأمرٍ أغرب من سابقه، وهو أن العمل جارٍ لوضع كشّاف للرواة الذين التقاهم فريق العمل، ولم يتم الفراغ من وضع هذا الكشاف بعد -أي أن التسجيلات والمدونات لم تفرّغ بعد بصورة مطبوعة- ويبقى الحال على ما هو عليه.
وأضاف أحمد راشد ثاني: لقد أسهمت الكثير من المعوقات والظروف في القضاء على «مركز التراث الشعبي لمجلس التعاون لدول الخليج العربية» وهذا الوأد يدل بصورة أو بأخرى على أنه حالة عامة تنطبق على أي جهد ثقافي مشترك بين دول الخليج، ولم تتم متابعة المركز الجادة من قبل أي مؤسسة حكومية خليجية لدعمه،.
وأدعو في ختام كلمتي إلى الاعتناء بالإرث الذي أوردته التجربة، ونشر اليوميات التي دوّنها الجامعون، ونشر البحوث والمقابلات التي أجروها في دولة الإمارات.
أبوظبي ـ محمد الأنصاري:
