ما كانت الحياة الشعبية يوماً فقيرة ولا محدودة، أو ضيقة، أو هزيلة، بحيث لا تستحق الملاحقة، والمواكبة، والمراقبة، واستنهاض الأفكار والمواضيع والرؤى منها، خاصة من الفنانين الأكاديميين المثقفين المتابعين لعملية الإبداع والخلق المتميزة.

ـ 2 ـ

تطور الحياة الشعبية، ضمن أنساقها الصحيحة والسليمة والصحية، مرهون بتطور إنسانها، من أجل هذا لا شكل ثابتا لهذا التطور، فهو في تحول دائم ما دام الإنسان الشعبي يعيش هذه الحالة، وما دامت الطبيعة المتغيرة، المتحركة لا تكرر نفسها، وإنما تفرز أشكالاً جديدة لهذا التطور، وبشكل دائم ومستمر.

ـ 3 ـ

ملاحقة تطور الإنسان الشعبي، وانعكاس هذا التطور على الواقع حوله، كحالة أولى، وملاحقة هذا الفرز المتجدد الدائم للطبيعة، كحالة ثانية، سيغني كثيراً التجارب الفنية المبدعة، سواء كانت في حقول الفن التشكيلي، أو العمارة، أو الفن التطبيقي، وحتى على صعيد الأدب والموسيقى والدراما والفنون البصرية المختلفة، وسيجعل هذه التجارب وأصحابها دوماً أمام مادة جديدة جديرة بالتناول والمعالجة والكشف، بهذه اللغة الإبداعية أو تلك.

ـ 4 ـ

في حمى الركض واللهاث خلف تأمين أساسيات العيش، والاستمرار في الحياة، يفتقد الناس هذه الجماليات العذبة، المريحة، الضاربة بعيداً في عمق التاريخ الإنساني، غالباً ما تضيع من المبدعين، في زحمة الحياة، لتترمد شيئاً فشيئاً في القاع: قاع الذهن المأخوذ، المسلوب، المحكوم بالعادة والتعود والتكرار.

ـ 5 ـ

في هذا المفصل، يجب أن تتدخل الفنون، لتلعب دورها المهم والضروري والملح، بهدهدة الواقع الشعبي الراقد على كنوز من الجماليات الحقيقية، والأصيلة، والشهية، والغنية، كاشفة عنها الصدأ والإهمال والرماد، ملقية الضوء على قيمها ونضارتها والسعادات الكامنة فيها، والتي لا تحتاج إلى كثير من الجهد لتأخذ طريقها إلى روح الإنسان المعاصر وعقله، وهي المصادر التي جاءت منها، في الأساس، ونضجت وتبلورت، بفعل تراكمي، تماهت فيه القصدية بالعفوية.

هذا الدور المهم للفنون. هذه المهمة الملحة والعظيمة، يلزمها لغة تعبيرية خاصة، تعجن الواقع، وتعيد صياغته من جديد، لكن بلغة الواقع وروحه وأنفاسه، وليس بلغة مبتورة، ملتبسة، تكرر وتكرس قتامة الحياة بدل أن تخلخلها وتزيلها!!.