إن المتبصر بواقعنا العربي المؤلم والمتفحص له يجد أن أهم ما يميزه عن المجتمعات الأخرى المتمدينة هو هذا (الغول) الجاثم على صدر كل واحد منا متمثلاً في أمور عدة ،أهمها اهتزاز ثقة العربي بنفسه، حيث أنه بات لا يرى فيها الكفاءة التي تؤهله للوصول إلى مبتغاه أو حتى مجرد التفكير في ذلك.

فصار يستسيغ تقبل كل شيء جاهز يأتي من تلك المجتمعات. من علبة الكولا وحتى السيارة والسيجارة إن شئت ومن المضحك المبكي أن الأولى ربما تهلكه أما الثانية فمهلكته لا محالة.لو نظر الواحد منا إلى نفسه لوجد أنه يتعامل مع كل ما ينتجونه ويتقبله بقبول حسن، من ملبس ومأكل ومسكن ومشرب، وليس له فضل في إنتاجه.

لقد غدونا سوقاً استهلاكية كبيرة لأرباب الصناعة في تلك المجتمعات وهم لا يرون فينا إلا مستهلكين لبضائعهم، يرسلون إلينا خبراءهم فيجوسون خلال الديار ويدرسوا احتياجاتنا ويكتبون التقارير بها وما هي إلا أيام أو شهور حتى نرى أن تقاريرهم عن احتياجات أسواقنا ترجمت إلى واقع ملموس وراحت الحاويات العملاقة تفرغ ما في بطونها في موانئنا مما قد نحتاجه ومما قد لا نحتاجه،

وراحوا يوهموننا أنهم يصنعون ما يصنعون خصيصاً لنا، فهذه سيارة ذات مواصفات خليجية، وذلك مكيف صحراوي، وهذا حذاء ملائم لأرض الخليج، بل تمادوا إلى أبعد من ذلك، فصرنا نرى على كل معلبة أو منتج لحمي يأتي من عندهم عبارة (ذبح على الطريقة الإسلامية)،

والحديث بالحديث يذكر إذ وجد في الأسواق قبل سنوات عدة سمك معلب (سردين) مكتوب عليه هذه العبارة. ومن ذلك أيضاً أن أحدهم أحضر (سبحة) من الديار المقدسة بعد أداء فريضة الحج وكانت هذه السبحة ملتصق في نهايتها جهاز صغير حين تشغيله يبدأ ونيابة عنك يسبح الله سبحانه (سبحان الله سبحان الله).

يا سبحان الله يريدون أن يريحونا فهم يشفقون علينا من التعب فاخترعوا لنا هذا الجهاز. ومما لا شك فيه أن ما نشاهده على بعض شاشاتنا الصغيرة منها والكبيرة في الوطن العربي كله له الدور الأكبر في هذا الداء المستفحل، فكل مجتمع له ركائز ومحاور وقيم.

ومنها في مجتمعنا العربي مثلاً ما تعرض للتشويه عبر هذه الشاشة الصغيرة أو الكبيرة فرجل الدين والأب والمعلم مثلاً تعرض لصور التشويه تحت شعار الضحك الذي يسمّونه «الكوميديا» أو الغناء الهابط.

ومخطئ من يحصر الخلل في أيامنا هذه، بل الأمر منذ الستينات من القرن الماضي، فهؤلاء «رجل الدين والأب والمعلم» تمارس بحقهم السخرية وقلّة الاحترام في تلك الأفلام أو المسرحيات أو التمثيليات الهابطة. أما عن رجل الدين فحدث ولا حرج فيأتون به بعمته وجبته بهلواني الشكل يقلقل حرف القاف ويتكلم الفصحى وهذا كافٍ لأن يجعل المشاهد ينقلب على ظهره ضحكاً،

أما الأب والأم ففي مسرحية شهيرة ترى أحد الممثلين يسخر من أمه التي حملته وهناً على وهن تسعة أشهر وهو ليس على استعداد أن يحملها يوماً واحداً نجده يحرِّضها وبكل وقاحة على إغراء أبيه وذلك الممثل الآخر يحمل عصا ويندفع باحثاً عن أبيه صائحاً: «أين هو الذي طأطأ رأسي بين الناس». لقد زرعت كثير من القيم الموبوءة في مجتمعنا العربي فما الذي يحدث؟ هل فقدنا توازننا؟ هل فقدنا أصالتنا ومذاقنا؟ هل.. هل.. هل؟