قامة من قامات الشعر العربي عامة والخليجي على وجه الخصوص؛ له مدرسته المميزة، ولغته المجبولة بسماته وحده؛ صاحب تجربة شعرية عريضة؛ أخلص لإبداعه لأبعد مدى، واعتنى بالتواصل الأوسع، وفي سبيل مواكبة معطيات العصر انشأ موقع «جهة الشعر» واستقطب العديد من الأسماء الشعرية والإبداعية. إنه الشاعر البحريني قاسم حداد؛ التقته «البيان» في هذا الحوار:

؟ نبدأ من النشر الالكتروني.. ما هي الجماليات التي يضفيها هذا المجال على الكلمة، أو النص؟

ـ بالنسبة لموقع جهة الشعر، هو أحد أشكال النشر الالكتروني الجديد، حيث يهيئ عرض النصوص الشعرية بشكل جميل هذا أولاً؛ إضافة للحرية المتاحة للشاعر؛ بأن ينشر كل ما يحب ان ينشره بشكل يناسب نصوصه، وأيضا جهة الشعر؛ هي وسيلة في الانترنت للوصول إلى قطاع واسع من القراء وبمختلف مستوياتهم الثقافية والمعرفية.

الجهة تنشر نصوصاً شعرية وسردية مختلفة الاجتهادات الفنية والأشكال التعبيرية. والجانب الجمالي في النشر الالكتروني دائما يتمثل في حرية النشر اللامحدودة، وأيضاً ما توفره البرمجيات الإخراجية للنص من حيث العرض الفني له،

وهناك فرق في الكتابة على الكومبيوتر، وبين النشر في الانترنت؛ فإذا اعتاد الشاعر ان يكتب مباشرة على «الكي بورد» فسيكتشف آلية جديدة، وحساسية جديدة مع اللغة؛ لأنه يرى الكلام على الشاشة، والتعامل مع النص الالكتروني يتميز بميزات لا تتوفر في التعامل مع النص المكتوب على الورق؛ هذا جانب؛

وعندما يعد النص المكتوب بالكومبيوتر إلى الانترنت؛ يبقى الجمال للعرض؛ خاصة انه يتوفر لهذا العرض شكله الالكتروني، ويتوفر الصوت، و الصورة، والحركة وهذه جوانب جمالية من المؤكد أنها تضيف بعدا نوعيا إلى المادة المنشورة.

أظن بأن هناك تسارعاً واضحاً وملموساً ويكاد يكون يوميا في انتشار الكومبيوتر وأيضا الاتصال بالانترنت واستخدامه؛ صار شبه متاح للقسم الذي نستطيع ان نعتبره مهتماً بالثقافة والعمل العام والأدب الخ. لا يجب ان يكون صغر حجم انتشار الانترنت في البلاد العربية عائقاً يمنع عن الدخول في هذه المغامرة؛

خصوصا انه بدأ يأخذ مسألة الانترنت والإلكترون والكومبيوتر مأخذ الجد، والآن هناك اتجاهات تربوية لوضع الأجيال الجديدة - في المدارس - في سياق معرفي الكتروني، وسياق عملي من خلال الممارسة وذلك بتوفير الأجهزة للطلبة.

على الجانب الثاني وهو المادي التسويقي؛ هناك اتجاهات واضحة لتوفير الأجهزة، وخدمة الانترنت بأسعار تكاد تكون زهيدة تساعد المهتم ان يتصل بالمعرفة الإنسانية، وان يتصل بالثقافة، وان يتصل بالعلم.

وصارت المناهج في المدارس والجامعات الآن توجه الأجيال الجديدة إلى اعتماد الانترنت كمصدر أساسي، وذلك بشكل متسارع، الأمر الذي يخفف من قلقنا من هذه المسألة.

؟ هل تعتقد بأن النشر الالكتروني قد يكون بديلاً عن النشر الورقي؟

ـ أبداً؛ النشر الالكتروني ليس بديلا عن.. أو أي شيء؛ له سياقه ومناخه وشروطه وإمكانياته ودائرة اتجاه، وطبيعة النشر فيه، ولا نستطيع القول ان النشر الالكتروني هو البديل عن النشر الورقي مثلا. وأنا غالبا ما أتحفظ على هذا القول في الحقيقة؛ في الكتابة،

ولا نستطيع القول ان التلفزيون جاء بديلا للسينما؛ بل على العكس هذا شيء نوعي إضافي؛ لا يمكن ان يصير بديلا؛ فما يحدث في الفضائيات هذه مسائل وظروف، وقضايا؛ آليات تستدعيها برمجة الفضائيات، وسياسة هذه الفضائيات الاقتصادية والثقافية والفنية. وكل وسيلة لها شرطها المختلف.

؟ كيف يمكن لمثل هذه المواقع الجادة ان تستقطب الشباب؛ في حين انصرافهم إلى مواقع الترفيه والتسلية السطحية هو الغالب، ويبدو طاغيا؟

ـ سوف يظل هذا الأمر نسبياً من بين الاهتمامات المتنوعة عند الشباب؛ مثل ما في الحياة العامة حيث يتجه الشباب إلى السينما، و إلى الترفيه، ويتجه إلى الألعاب المختلفة، والى الرياضة، وبعضهم يتجه إلى القراءة الجادة والأدب والشعر؛ هذا يمكن أن ينتقل إلى الانترنت بدرجات متفاوتة في الاهتمام،

ولا يقلقنا تنوع وانشغال الشباب بمواقع الترفيه؛ لأن هذا جزء من حرياتهم، ونحن لا نستطيع ان نتوقع من أجيال الشباب كلهم ان يكونوا جادين، وأن يقرأوا العلم فقط في الانترنت، وان يقرأوا الأدب فقط في الانترنت، وهي من حريات العصر التي يجب ان نشجعها من دون قلق؛ لأن من يريد أن يقرأ الشعر يستطيع ان يذهب بحرية إلى قراءة الشعر،

ومن يريد ان يذهب إلى موقع ترفيهي؛ فهذا حقه، وليذهب إليه؛ بمعنى لا يجب ان تقلقنا هذه المسائل لأنها من طبيعة الإنسان، وعلينا ألا نتوهم أو نتوقع من الجميع ان يقرأوا الشعر والأدب، وهي مراحل مختلفة؛ تخضع لمراحل عمرية لها متطلباتها وتطلعاتها ورغباتها، وليس بالضرورة الشباب؛ فهناك من الكبار من يتجه إلى هذه المواقع،

وليس بالضرورة ان يكون الأدب أو الثقافة هاجسهم؛ لأن في الحياة وفي العالم معارف كثيرة، ممكن ان ينشغل بها الإنسان غير الأدب. والأدب في كل العصور محدود القراء،

وليس له ذلك الجمهور، ووضع الشعر والأدب في الانترنت مثله كمثل أي فنون أخرى؛ فهناك أناس يفضلون الفن التشكيلي، وغيرهم يفضلون المسرح أو الرحلات أو الصور وإلى آخره، وهذه في اعتقادي ظاهرة صحية في الحقيقة لا تقلقنا، ولا نطالب الآخرين ان يهتموا بالثقافة.

؟ هل يمكن تصديق ان الشعر في أزمة، فيما يعتبر اتجاه عدد من الشعراء لكتابة الرواية إشارة لذلك؟

ـ لا أرى حقيقة في اتجاه الشاعر لكتابة الرواية شيئا جديدا؛ لأن غالبا ما توصف الرواية ب.. فن حديث وسردي، ويعتمد على القص والحكاية؛ وهو اتجاه وفعالية عمل إبداعي جميل؛ لا يشكل مزاحمة للشعر، وليس من الحكمة ان نعتبره سببا لمأزق الشعر، أو لأزمة الشعر؛ بل على العكس؛

هو يغني الشعر ويغتني به أيضا لأن المفاهيم الجديدة للكتابة الأدبية بكل أنواع التعبير الأدبي؛ بما فيها الرواية تعتمد على الشعر كلغة، وكأجواء، وكملامح إبداعية أدبية جميلة؛ يغتني بها النص الروائي. وأظن بأنه لا يناسبني أنا شخصيا ان اصدّر بسبب الوهم؛

بأن هناك أزمة في الشعر أو أزمة في الرواية؛ التفاوت، والمشاكل، وانخفاض بعض التجارب، واختلاط القيم والاستسهال عند الكثيرين؛ هذا يحدث في كل العصور، ويجب ان نتعامل مع هذه المسائل بشكل طبيعي؛ لأن الوقت كفيل بتصفية وغربلة التجارب؛ فكم شاعراً كان في عصر المتنبي،

وكم شاعراً موجوداً في العصر العباسي، وكذلك في العصر الأموي، وكم في العصور الحديثة، وكم شاعراً وجد في الستينات؟! هكذا أنظر للوضع والواقع؛ ولا انظر إلى هذه المسائل بنظرة متأزمة في الحقيقة.

؟ ما هي الشروط والقواعد الواجبة للجدد من التجارب الإبداعية؟

ـ أولاً أنا لا أرى دافعا للكلام عن شروط؛ لأن الشروط أمر مسبق؛ مثل من يشرط ان من تزوج لابد ان ينجب ولدا أو لابد ان ينجب بنتا؛ ان العمل الإبداعي هو عمل حر؛ يجب ان نأخذ النص بوصف كاتبه،

وما يتمتع من موهبة هذا هو الشرط العام والبديهي؛ لكن الشروط والحدود أمر غير وارد، ومن المؤكد ان في كل وقت هناك مجال متاح لتجارب جديدة، وفي كل وقت نستطيع ان نكتشف، ونلمس تجارب جديدة ومشجعة بدرجات مختلفة من الجدية.

؟ في إطار حالات التغريب حول اللغة العربية، وسيادة اللغة الانجليزية، وما أفرزته من شباب يكتبون الشعر بهذه اللغة ألا يشكل ذلك قلقاً ما؟

ـ اتجاه الكتاب العرب للكتابة بلغات أخرى ليس جديداً، الأمر موجود قبل الانترنت في الحقيقة، وهناك ظروف ودوافع مختلفة، جعلت الشاعر يكتب بالفرنسية في شمال أفريقيا ولبنان، وان يكتب بالانجليزية في العراق وسوريا ومنطقة الخليج والجزيرة واليمن.

هناك كتاب كثيرون يكتبون بلغات مختلفة ليس فقط بسبب الانترنت، ولكن الانترنت جعلنا نتعرف أكثر على هذه التجارب العربية التي تكتب بلغات مختلفة، وهذا عنصر ايجابي في الحقيقة لأنه يحقق ويسهم في حضور الإبداع العربي في المشهد الإنساني الكامل.

وسببه ليس بالضرورة انه الضعف في اللغة الأم؛ لأن هناك كتاباً يكتبون بالانجليزية والفرنسية! بينما لغتهم؛ تكون قوية جدا، وجميلة؛ لكنهم، ولأسباب التربية أو الدراسة أو الغربة أو الذائقة أو الثقافة يجدون أنفسهم؛ يعبرون بلغة أخرى، وهذا أمر ايجابي، وأعتبره؛ إضافة نوعية للثقافة العربية.

حوار: فاطمة محمد الهديدي