يتابع الفنان السوري طلال معلا في إنتاج وجوهه الصامتة، التي تملأ بصراخها مساحات أوسع بكثير من ساحات العرض، وهي تهزج من حدود اللوحة إلى الواقع الحي بكل حركته الصيرورية، فالصمت عكس الثرثرة والكلام، والبوح لغة تتجاوز الصوت، إلى التعبير القاسي الرطب، الذي يعاكس الجفاف، صمت يكتنز الألم، يداريه، يسكنه «الاحشاء والمطايا».

والعيون مفتوحة، يغيب عنها البؤبؤ، والجسد نحيل، بلا ذراعين، لكنه يسبح بكفيه وحدهما في فضاء الفكرة الأوسع أحياناً من فضاء اللوحة.

فالعجز الذي أراده الفنان سمة رئيسية لوجوهه، ليس عجزاً مادياً، بقدر ما هو عجز روحي معنوي، عن الفعل، وعن التفسير. وجوه واضحة ولو كانت مجردة من إيحاءاتها، لا تحمل انتماء وزماناً محددين، كما هو مبدعها ليس لديه مرجعية مدرسية أو أسلوب معين. لذلك يتبدى التأليف عند طلال معلا مركباً وجدلياً.

يقوم على علاقة بين ما هو قائم والمتخيل، والثاني هو الذي يحافظ على البعد الجمالي، على عكس الأول الذي يخطف التعبيرية وينتصب كحالة تتوارى تارة باللون وتارة أخرى بالخط، الذي وحده يصنع صفة مشروع اللوحة.

التي لا تعتمد على قرار واع من مؤلفها. فالفنان معلا ينطلق في تشكيله دون أي تصورات مسبقة فيترك لكل عنصر من عناصر المشروع البصري حيزه في ان يصرح بقولته أو بصمته لا فرق، ما دام التجاور والتضاد يتقاطعان.

ويتصادمان في فضاء اللوحة، المشروعة لكل احتمال ما عدا التغيير الفج الذي يهول لأمر صار أبعد بكثير من الهول ذاته. ـ اللاوعي أساس تقوم عليه لوحة طلال معلا.

وهو يتحكم إلى حد بعيد بعناصر أي مشروع بصري، بمستوياته الثلاثة: التأليف والخط واللون. واللاوعي هنا ليس ميتافيزيقياً، أو طلاسمياً، كما يحلو للبعض ان يفسر أمراً، أبسط بكثير من التفسير.

بل هو يتبادل الأدوار مع الوعي المرتبط بالواقع، فهذا يعلن صمته، والثاني يعلن عن تراكمات القول، فيأتي الخط على الدوام في لوحة معلا مع ظله، سارحة في سواده وجزء من بنية لونية متنوعة، من أزرق بحري وسماوي الى أحمر يشبه تربة صحراء مفترضة، أو برتقالي، يتشكل من صفرة لون الشمس، وعاجية لون القمر، المفروكة بالأحلام .

ورؤى النوم واليقظة، وفيها غنى واسع للذاكرة اللونية المتعددة الأماكن، بدأت مع نشأة الفنان على الساحل السوري، ثم تنوعت واختلطت مع مدينة «الرقة» الصغيرة شبه الصحراوية، الى مناخ الصحراء الكامل في دولة الإمارات، كلها أدت إلى «صمت» وجوه لوحاته مع انها تقول الكثير.

حسين قطايا