قبل خمسة عشر عاماً، لم تكن تعلم مدينة العين وناديها أن هناك لاعبا في الطريق إليها، سيصل ومعه بشرى تساوي اربع عشرة بطولة، وقبل خمسة عشر عاما أيضا، لم يكن يفكر هذا اللاعب المنتقل إليهم سوى بأن هذا النادي سيكون الوسيلة السهلة كي يدرس في جامعة الإمارات ويحصل على إحدى شهاداتها من هناك، ولكنها الأمواج والأهواء التي حملت ضيفنا (سالم جوهر)، من قاعات المحاضرات والأساتذة في الحرم الجامعي إلى قاعات المدربين وغرف تبديل الملابس، كي يدخل إلى الملعب!
وها هو اليوم، قد أضحى خارج الملعب، فترك كل بطولاته وميدالياته وكؤوسه ودروعه، والذهب، فسالم اليوم رحل واعتزل، وغادر العين وللمرة الأخيرة هذه المرة!
«سالم» حل ضيفاً علينا، وهنا الحصيلة:
* يقال إن مجلة الهدف التي صرحت لها سابقا بأنك تمني النفس بالانتقال إلى نادي العين هي من فتحت الأعين عليك، لتنتقل للعين؟
ـ لا هذا غير صحيح، فالأمور كانت منتهية قبل حواري مع مجلة الهدف، وقد خيروني في نادي عجمان بين الانتقال إلى العين أو الوحدة أو النصر أو الأهلي، فاخترت العين.
* ولماذا العين؟
ـ لأنني آنذاك كنت أفكر في الدراسة، وأريد الالتحاق بجامعة الإمارات في العين، فاخترت نادي العين، وبصراحة فان ظروف واسم نادي العين ساعداني أيضا كي أفضلهم على بقية العروض.
* ومن هي الشخصية العيناوية التي كانت وراء انتقالك؟
ـ معالي الشيخ حمدان بن مبارك آل نهيان.
* وماذا عن الشهادة الجامعية؟
ـ أصبحت هدفا ثانويا بعد ذلك، فقد انشغلت بالملعب وأضواء المنافسة والدوري والتسديدات، فلم أكمل دراستي الجامعية حتى اليوم.
* على طارئ التسديدات، من يسدد أفضل أنت أم سبيت خاطر؟
ـ لست مغرورا، ولكنني كنت أسدد الكرة من كل أرجاء الملعب، وكنت أسجل أهدافا أكثر منه، وكنت في بعض المباريات أسجل ثلاثة أهداف دفعة واحدة، وبالتالي فأنا الأفضل، (يقولها وهو يضحك).
* ربما حراس المرمى في ذلك الوقت ساعدوك على ذلك، فقد كانوا أقل قوة ومهارة عن الوقت الحالي؟
ـ لا لا، حراس المرمى كانوا أكثر صعوبة آنذاك ورغم ذلك كنت أسجل على محسن مصبح مثلا أهدافا، تجعله حارسا عاديا، فهو لم يكن يقوى على تسديداتي، رغم أنه كان الأفضل محليا وخليجيا أيضا.
* ولكنه حرمك -أي محسن مصبح - من بطولة الكأس في المباراة النهائية، فصد كل تسديداتك أنت وسيف سلطان، وفوق هذا كله صد ركلة الجزاء التي سددتها عليه، وفاز هو وفريقه بتلك البطولة!
ـ كنا نتبادل الفوز على الشارقة، والشارقة كان فريقا صعبا ومنافسا ممتعا، أنا لا أنكر ذلك على محسن أو الشارقة، وأذكر في تلك المباراة أنني خسرت مكافأة المرسيدس التي وعدوني بها في حال فوزنا بتلك المباراة.
العقدة
* وهل كان نادي الشارقة عقدة لكم؟
ـ لا، الشارقة لم يكن في يوم عقدة لنا، بل الأهلي هو عقدتنا، كنا نفوز على الشارقة في ملعبهم، ولكننا كنا نخسر من الأهلي على ملعبنا وملعبهم، الأهلي حرمنا من عدة بطولات، ولن أنسى هدف مهدي علي علينا، وذكريات هذه المباراة مؤلمة.
* لنعود للبداية، 14 بطولة ماذا فعلت بسالم جوهر؟
ـ لا شيء، لو كنت في أوروبا لرأيت صوري واسمي على أغلب المحال التجارية وفي الشوارع، و لرأيتني أمشي والناس والكاميرات تلاحقني، ولكنني مشيت معك الآن في مكان عام، ولا كأنني موجود، وأخاف من نسيان الناس لي.
* والأربع عشرة بطولة مع ناد ثري مثل العين، لم تكف كي تجعل سالم جوهر مليونيرا؟
ـ لا والله لست مليونيرا، ومازلت مواطنا عاديا.
* وشركة الديزل التي تملكها؟
ـ هي شركة صغيرة على قد الحال، وليست بالضخامة التي تتصورها، ولتعلم بأن ما حصل عليه الإيراني علي كريمي أو الليبيري جورج ويا في ظرف موسم أو موسمين من أنديتنا، يساوي كل ما حصلت عليه طوال مشواري، ولا تنس فارق البطولات التي بيني وبينهم أيضا.
* سالم، 14 بطولة مع العين لم تخولك كي تصبح لاعباً دولياً في المنتخب، لماذا؟
ـ في جيل العمالقة كان الأمر صعبا، وبصراحة لم أحصل على فرصتي، شاركت مع المنتخب الأولمبي أساسيا ولكن لم يكن لي نصيب.
* نصيب أم واسطة؟
ـ نعم في عهد كيروش كانت الفوضى عارمة، والواسطة والمحسوبية كانتا تملآن معسكرات المنتخب ولم يعجبني الوضع فطلبت إزاحة اسمي من القائمة ومن بعدها قررت عدم العودة للمنتخب.
* وهل شخصية كيروش كمدرب كانت السبب؟
ـ ليس كيروش وحده، رغم أنه مدرب غير صارم وينفذ طلبات بعض اللاعبين، ورغم أنه محاضر ومتحدث وليس بالمدرب الميداني، والدليل فشله الذريع معنا ومع ريال مدريد أيضا، ولكن المنتخب أيضا آنذاك لم يكن به روح، وكان كالكتل المتفارقة، ولهذا لاحقنا الفشل مدة طويلة.
* وهل نستشف من هذا، أن كيروش هو أسوأ من دربك؟
ـ ليش كيروش وحده، بل بيلاتشي كاد أن ينهي مسيرتي حين أجبرني على اللعب وأنا مصاب، وعلى رأس المدربين الفاشلين يأتي ميلان ماتشالا، فهذا المدرب لا يملك من التدريب شيئا وهو السبب لتدهور حال العين في الفترة التي دربنا فيها.
* غريب، رغم أنه أحرز بطولات عدة مع الكويت وصنع للعمانيين منتخبا قويا؟
ـ أقسم أن اللاعبين هم من ساعدوه، فهو لا يملك شيئا لا خطة ولا فن، ولم يضف لفريق العين شيئا، ولو استمر مع العين لوصلنا إلى حال أسوأ.
* عن أي حال تتحدث، وهو قد فاز معكم بكأس رئيس الدولة، وصعد للمباراة النهائية في البطولة الآسيوية؟
ـ كل هذا بفضل خبرة اللاعبين والإدارة، ماتشالا مدرب فاشل، لقد دربني وأعرفه جيدا.
* ومن تتمنى أن يكون مدرب العين القادم؟
ـ في هذا الوقت يجب الإبقاء على محمد المنسي، وأتمنى لو أنهم يتعاقدوا مع كارلوس البرتو مدرب البرازيل.
الاعتزال
* سمعنا بأن هناك خطة لعمل مهرجان تكريم لك؟
ـ لم أسمع أنا عن هذا الخبر، وبطولاتي وتاريخي وما قدمته لنادي العين، وحده يكفي لاتخاذ قرار مثل هذا، والكرة الآن في ملعب الادارة العيناوية ومجلس الشرف، فان كان سالم جوهر وما قدمه لا يستحق التكريم فأنا راض، وان كنت أستحق حقا فأنا في انتظار تلك المبادرة بلهفة وشوق، فما أجمل التكريم والوفاء.
* تكريمكم بعد الفوز بالبطولة الآسيوية كان شيئا رائعا، حدثني عنه؟
ـ نعم كان يوما لن أنساه، فقد حضر الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان إلى بيتنا في عجمان، وجلس معنا، وتعشى من مائدتنا، وشكرنا على انجازنا، وبصراحة فأنا أغار من سموه، فوالدتي تحبه وتدعي له بالتوفيق والصحة والعافية دوما، وأخاف أن تنساني في دعائها، فكيف لا تحبه وهو الشخص الأكثر شبها للمرحوم الشيخ زايد طيب الله ثراه، خلقا وأخلاقا وتواضعاً وحباً للناس.
* بشكل عام، هل وجود الشيوخ في نادي العين، يسبب خوفا وأرقا ورهبة لكم كلاعبين؟
ـ لا بالعكس كانوا يخففون عنا الضغوطات بشكل كبير، كانوا يمنحون لنا الثقة، وكنا نرد عليهم بالانتصارات والبطولات، وكنا نفوز في أغلب المباريات الصعبة.
* وماذا كانوا يقولون لكم قبل مبارياتكم مع الوحدة؟
ـ تضخيم مباراة الديربي مع الوحدة، كان سببه الرئيسي الجمهور العيناوي، كانوا لا يرضون إلا بشيئين الدوري والفوز على الوحدة، قبل أي مباراة مع الوحدة كانت مدينة العين لا تتكلم إلا عن هذا الديربي، وبصراحة طعم الفوز على الوحدة غير.
* وما هي أصعب مبارياتك على الاطلاق؟
ـ مباراة داليان في الصين، كل شيء هناك كان صعبا، أجواء المباراة في الملعب وخارجه وفي الفندق، من الصعب أن يمر هذا اليوم في الذاكرة مرور الكرام.
* وما هو سر بطولات العين؟
ـ لا توجد أسرار، بعض الفرق المنافسة كانت تساعدنا على الفوز، فرغم أنها كانت متصدرة الا أنها كانت تنظر للخلف كثيرا، فتنسى نفسها وتراقبنا، فنتقدم نحن ونفوز.
* وبعيدا عن أجمل وأقوى وأغلى أهدافك، ما هو الهدف الذي أحرزته بكثير من الحظ، يعني بالصدفة؟
ـ كثيرة وأذكر منها هدفي على مبارك ياقوت حارس النصر، كانت من تسديدة جدا عادية، ولكنه وضعها بنفسه تحت قدميه لتدخل الشباك.
* وهل مازلت مهتما بكرة القدم، بعد اعتزالك؟
ـ لا ليس كثيرا، فقد شبعت ومللت من شيء اسمه كرة قدم، إلى هنا وأقول للكرة خلاص.
* ولكنك قبل اعتزالك كنت على وشك الانتقال لنادي الجزيرة؟
ـ مع احترامي وكامل شكري وتقديري لنادي الجزيرة، فأنا رفضت الانتقال، فقد اشتريت كل تاريخي، ولن أبيعه هكذا وبسهولة، ومغامرة غير محسوبة مثل هذه قد تنهي كل أيامي الجميلة مع العين وكرة الإمارات.
* هل يعني الانتقال من العين، عقابا وقرارا تربوياً من الإدارة العيناوية، أم هو قرار فني؟
ـ كانت هناك بعض الانتقالات بقرار تربوي، ولكن ليس كل لاعب يخطئ كان يعاقب بالانتقال من نادي العين وعندك في فهد علي وسبيت خاطر مثال، نادي العين ناد تربوي وأخلاقي في المقام الأول وقد يقسون على اللاعبين عندما يخطئون في بعض الأحيان ولكنهم يدرسون العقوبة بعد أن تهدأ المشكلة ويخففونها، وانتقال محمد عمر كان بمحض إرادته وكان بإمكانه أن يرفض ولكنه لم يفعل، وسعيد جمعة انتقاله كان خسارة لنادي العين، فهو من أفضل الحراس الذين عرفتهم، وكان يجب أن لا ينتقل.
* وماذا عن انتقال فيصل خليل من الاهلي لفرنسا؟
ـ لا هذا لا يسمى انتقالا، بل لعبة وفيصل ليس صغيرا كي يغامر بهذه الطريقة، وهو مخطئ، يجب تقنين طريقة واسلوب الانتقالات، كي لا تكثر هذه الانفلاتات، ويجب النظر في مسألة تأمين اللاعبين لمستقبلهم أكثر، فهذا أكثر ما يؤرقهم.
* وهل أمنت أنت مستقبلك؟
ـ لا، وللأسف.
* غريبة، كل هذه الانجازات والتي يتبعها تكريم بمبالغ ومكافآت مجزية وهذا غير الرواتب العالية ولم تؤمِّن بعد؟
ـ التكريم لم يكن بالطريقة التي وصفتها أنت فنادي العين ليس الجنة التي تتخيلونها، رواتبنا عادية ومكافآتنا لا تتعدى المئة ألف درهم عن كل بطولة، ونحن في أيام شبابنا كنا نصرف ببذخ ولم نحسب حساب هذا اليوم، وأقول للاعبينا الحاليين، احسبوا ليوم ما بعد الاعتزال فستندمون على كل فلس ضاع هدرا.
* سالم جوهر، وصلنا للنهاية، فشكرا لك..
ـ قد يكون سالم جوهر أفضل حالاً من الراحلين معه، ولكن لايزال لاعبونا الراحلون بحاجة إلى من يذكرهم ويحييهم ويكرمهم، فمن أوفى واجتهد وصنع لوطنه ولناديه ولنفسه تاريخا لا ينسى، يجب أن تكون نهايته جميلة وعلى مستوى ما قدم، وغير ذلك يسمى نكرانا للجميل وإجحافاً، أليس كذلك؟
واترك الإجابة لإدارات أنديتنا! رغم سنين عمره الطويلة التي قضاها في العين، إلا انه لم يستطع ترك مدينته الأم عجمان، وسالم على حد قوله قد حقق كل أحلامه مع نادي العين سالم جوهر كان متجاوبا كثيرا وتقبل بعض استفزازاتي ومناوشاتي بصدر رحب، وفي طيات حديثه (رسالة) سيفهمها المعنيون بالتأكيد.
ضيفنا القادم، قادم ومعه مفاجأة وأسرار جديدة وكذلك أخبار! فانتظرونا.
حوار: عمران محمد
