تقاسم كل من مسرح دبي الأهلي ومسرح رأس الخيمة الوطني عروض اليوم ما قبل الأخير من الأعمال المشاركة داخل المسابقة الرسمية، التي تعلن نتائجها مساء يوم غد في احتفالية خاصة بهذه المناسبة.

حيث كان الجمهور مع عرضين الأول عينه على الجمهور تماما وهو عرض «كل الناس يدرون» لمسرح رأس الخيمة الوطني، والثاني «سفر العميان» حاول الدخول إلى منطقة مسرحية صعبة، وفق حينا، وأخفق في بعض الأحيان.

يأتي كل الناس يدرون لمؤلفه سالم الحتاوي ومخرجه احمد الأنصاري الذي يقدم عرضه الثاني في هذه الدورة بعد مسرحية السردال، استكمالا للجهود التي يبذلها مسرح رأس الخيمة الوطني في تقديم عروض شعبية، ذات قالب كوميدي، هدفها الأساسي استقطاب الجمهور، والتأسيس لمسرح شباك قادر على الاستمرار في عروض عديدة خارج موسمية المهرجان المسرحي.

ولعل ما لمسناه من جمهور الصالة كان دليلاً على محبة الناس لهذا العرض الذي قوبل بالضحك والتصفيق والتفاعل، حول قصة حب نمطية بين شاب فقير وابنة عمه الغنية، وصراع الخير والشر المتمثل في المال والفقر .

وكل ما ينتج عنهما من نفاق وتملق وشخصيات متسلقة، وصولا إلى النهاية التي لم تكن نمطية بمعنى انتصار الخير على الشر، بل في سقوط صالح الفنان الشعبي المغمور في شرك المال الذي يأتيه على حين غرة.

من الواضح ان احمد الأنصاري لم يكن بأحسن حالاته في هذا العرض رغم انه واحد من أكثر المخرجين قدرة على انجاز مثل هذه العروض الشعبية، وقد شهدنا سردالة وتلك المساحات التي لعب عليها لناحية الفرجة وإدارة المجاميع.

وقد يكون الأمر عائداً إلى النص نفسه الذي يمشي في خط درامي تصاعدي واحد، تاركا للممثل سعيد عبيد الذي لا ينفك يثبت في أي عرض من عروضه أنه واحد من أهم الممثلين المحليين على الخشبة، من حيث الأداء والحركة والحضور، والارتجال، أن يحمل العمل على أكتافه، وأن يكون ورقته الرابحة الأساسية.

ومن المؤسف ألا تتم الاستفادة من إمكانيات هذا الممثل، الذي يبدو ان العروض الشعبية باتت رهانه الوحيد، رغم اننا شهدنا له عرضه المهم الضرير، لكنها تجربة لم تتكرر، لكن الأنصاري وكعادته بدا ممسكا بشخصيات العمل، الذين أدوا أدوارهم بدقة واضحة.

إن مسرحية كل الناس يدرون ، ووفق الخط والمناخ الذي ارتضته لنفسها، في كونها عملا شعبيا جماهيريا، حققت غايتها، وهو أمر كان ملموسا من قبل الصالة التي تفاعل جمهورها الكبير مع المفارقات والمواقف وخاصة علاقة صالح بالعامل البتاني الذي جسده محمد السيادة.

كما تضمن العرض ميزة متعلقة في استذكار الأغنية الشعبية، وبعض رموزها وتحديدا الفنانين عيد الفرج، وسالم عثمان في أغنية جويرة، لمؤلفها الشاعر الراحل جمعة الفيروز، ومن هنا لا بد من التأكيد على ان مثل هذه العروض لا تحتمل إخضاعها لمعاير وحسابات نقدية صارمة، لأن بنيتها لا تحتمل ذلك.

وقد نكون مجحفين بحقها ان فعلنا ذلك، ومن هنا فإنه من الأهمية بمكان ترك مثل هذه التجارب تخوض مشوارها وهدفها، وأن يكون الزمن هو معيار استمرارها، نجاحها أو فشلها، فما دامت تتجه نحو الجمهور.

وليس نحو النخبة، فهذا الجمهور هو الذي يحميها ان شاء، ويدير ظهره عنها ان شاء ذلك، هذا هو رهان كل الناس يدرون.، يذكر ان العمل من تمثيل ملاك الخالدي وكان حضورها واضحا على الخشبة، ناجي خميس، سالم العيان، حسن بلهون، إلهام محمد، مايد الصوري.

سفر العميان

اختار ناجي الحاي في هذه الدورة من المهرجان أن يسافر مع العميان في رحلة مسرحية ، كوميدية سوداء صعبة مستوحاة من مسرحية العميان للكاتب موريس مترلنك، رحلة يفترض ان يكون فيها ناجي المبصر الوحيد الذي يقود عميانه نحو فرجة مسرحية حافلة بالمضامين والابعاد التأويلية الخطيرة إلى حد ما على الأقل على خشبات المسرح المحلي.

العمل في مضمونه على درجة كبيرة من الأهمية خاصة في لعبة تعريته لفئة للمتشددين دينيا، والقسوة عليهم بذات الطريقة التي يقسون فيها على الآخرين، كما فيها تعرية لنقيض هذه الفئة.

والأمر في نهاية المطاف صراع بين عميان يمثلون الفئتين، وأكثر من ذلك فشخصيات العمل فيها من التنوع ما يجعلها تغطي شريحة مجتمعية واسعة، الغني والفقير والعجوز.

والشاب البدون، لكنهم في نهاية المطاف يصلون إلى نقطة مسدودة، متمثلة في ضياعهم، نحو النهاية التي تدفع بالمتشدد يختار المضي في رحلة بحث مجهولة ومدمرة عن الخلاص، أما بقية المجموعة بما تمثل تظل رهينة خوفها، إلى أن تقتل بعضها البعض خوفا من عدو قريب.

في هذا العمل محاكمة حقيقية للكثير من القضايا الشائكة ولعل من أبرزها قضية البدون التي باتت تشكل أزمة إنسانية كبيرة في الكثير من دول الخليج العربي، إلى جانب التعصب الديني، لكن كل هذه القيم والأفكار إضافة مناخ العمل وصعوبته وأهميته، ضاع الكثير منها بين يدي الممثلين، الذين لم يستطيعوا أو على الأقل بعضهم تقديم هذا العمل الاشكالي كما ينبغي، وهي المرة الأولى التي نشهد عرضا لناجي الحاي فيه تنازلات.

فيما يتعلق باختياراته للممثلين الذين اعتدنا ان يكونوا رهان ناجي الأساسي، وخاصة في هذا العمل الذي كان يتطلب فريقا محترفا ومتناغما من الممثلين، القادرين على فهم شخصياتهم فهما عميقا، وبالتالي التعبير عن هذه الشخصيات وخاصة في لحظات التعرية الداخلية.

وفي لعبة الاستلام والتسليم، التي تحرض الممثلين على القيام بالمزيد لأن الخلل في هذه اللعبة على درجة كبيرة من الخطورة وخاصة في مثل هذه الأعمال، التي يفترض قيامها على التكثيف والدلالة والتعبيرات، والاشراقات الفردية لكل ممثل على حدا.

كان يمكن لهذا العمل ان يكون من أفضل عروض المهرجان، لناحية الإغراءات التي يفتحها، وخاصة في التحولات التي يمكن للشخصيات أن تعيشها، في ذلك الفضاء المجرد، وفي ذلك الانتظار العبثي للمخلص، الذي لا يأتي، الذاكرة الشخصية، الضحكة المؤلمة، لكن نعود للقول ان المشكلة الأولى والأخيرة في العمل، تكون في الفهم العميق لخصوصية هذا العرض الصعب، بلال عبد الله الذي كان يضيء وينطفئ .

ولم يكن كما عهدناه منطلقا ومتخلصا من خوفه على الخشبة، مرعي الحليان بخبرته كان يدور في حلقة ببقية الممثلين، مروان عبد الله ظل متمسكاً بمساحته الادائية دون ان يتوهج كعادته، التفاوت في المقدرات اضر بالعمل، وخفف من وتيرة تأثيره ورسالته الحساسة.

ما يحسب لهذا العرض أنه اختار الصعب، والصعب ميزة، بغض النظر عن النجاح وعدمه، حيث وضع ناجي الحاي يده على الكثير من الهموم، لكن عميانه الذي افتقد بعضهم للبصيرة الداخلية قادوه إلى منطقة لم يكن يرغب فيها، لكن نتيجة منطقية لم يسافر مع العميان، شارك في تقديم شخصيات العمل أيضا محسن صالح، فضة، أشواق.

حازم سليمان