المسافة بين الفجيرة ودبا الفجيرة بعيدة نسبياً على أرض الواقع، لكن هذه المسافة اختزلت إلى بضعة أمتار في معهد الشارقة للفنون المسرحية.

حيث تجاورتا، وتشاركتا بطولة اليوم السابع من الأيام المسرحية عبر عرضين أحدهما حمل عنوان «خفايا جبال» لفرقة مسرح دبا الفجيرة، والثاني «رماد الأيام» لمسرح الفجيرة القومي، فكانت الحصيلة أمسية مسرحية جميلة وإن شابها بعض المنغصات الفنية.

ما يشفع لهذه الليلة كان عرض «خفايا جبال» لمؤلفه عبدالله مسعود، دراما تؤرخ ورؤية فنية وإخراج عزيز خيون، حيث وضعنا هذا العرض أمام جملة من القيم الفنية، لعل من أهمها هي وجود دراما تؤرخ للعرض المسرحي لأن هذا النوع من الاشتغال على العروض المسرحية يبدو أن جميع الفرق تجاهلته.

ولا نبالغ أن نسبة كبيرة من عروض هذه الدورة كانت بحاجة لمن يعيد تشكيل على الأقل نصوصها لتكون مسرحية بما تعنيه هذه الكلمة.

الحديث عن «خفايا جبال» لابد أن يكون حديثاً شمولياً، لأن هذا النوع من العروض، البطولة فيه للمسرح وليس لأي جزء من أجزائه، والحضور الأبرز فيه هو لفريق عمل منسجم تماماً.

ومدار جيداً من قبل مخرج العمل الذي وظّف كل المفردات دامجاً بعضها ببعض، ليصنع منها في نهاية المطاف تجربة مسرحية، تقترح، وتحيل، وتشاكس، وتضعنا أمام فرجة تليق بمهرجان مسرحي، آن له أن يصير مختبراً مسرحياً، أكثر من كونه مناسبة موسمية لعرض الأعمال والتجارب على عواهنها.

الدخول إلى تفاصيل هذا العرض تشبه إلى حد كبير محاولة الإمساك بالزئبق، فالحديث عن البناء المسرحي غير وارد ونحن أمام تفتيت، وتشظية، وتعرية لكل شيء، للنص، والحوار.

ولعلاقة الممثلين ببعضهم البعض، لديكور يصنع ويهدم، ولعل القيمة الثابتة في هذا العرض العبثي الذي لا يخلو من سريالية مؤلمة، هي الفضاء والمناخ العام الذي كان محكوماً بإدارة بصرية دقيقة، استطاعت احتضان جملة التداعيات والانهيارات والتحولات في عمل كان واضحاً من البداية انه مفتوح على جميع الاحتمالات.

ويستند إلى قيمة هذيانية لا نهائية، لا يقترح لنفسه لحظة زمنية محددة، أو مكان ثابت، حتى ان سبب وجود الشخصيات أمامنا لم يكن أكثر من صدفة لكائنات ممسوخة، معزولة مبتورة اللغة، والتعابير، ولعلها ليست أكثر من مجرد أفكار أو أوهام للشخصية «ل» التي قدمها عبدالله مسعود، برفقة المتألقين عبدالله راشد الذي لا نتوقع منه إلا أن يكون بارعاً.

مك، والممثل عبدالله اليماحي الذي ربما كان يقدم أول أدواره وكان حضوره وجهده على درجة من الأهمية، هذا الثلاثي نجح في كل شيء حتى في الضوضاء التي أثاروها على الخشبة وكانت متعبة في بعض مواقع العمل الذي لم يترك لنا مساحة للسكون بل ظل مراهناً على عملية الهدم، التي تجاوزت الخشبة نحو جمهور الصالة.

يحتمل هذا العمل الكثير من التأويلات، وقد يغرينا في الذهاب بعيداً، وهي قيمة بحد ذاتها، لكن الأهم والأجمل في هذا العرض هو التجريب، وجعل العمل المسرحي حالة مخبرية.

والعمل كفريق، لأن المسرح هو ثمرة جماعية وليس فردية، وإن كان عزيز خيون هو الورقة الرابحة في هذا العرض، إلا أنه وكأي مسرحي كبير لديه مسؤولية المعلم، لم ينس تقاسم أرباحه وخبرته الطويلة مع مجموعة من الشباب.

والمضي بهم وبإمكاناتهم إلى أقصى درجة ممكنة، إن هذا العرض المضيء والمضاء بذكاء وجودة عالية، ترك بصمته وحضوره، ويؤكد من جديد أن دبا الفجيرة هذه الجميلة البعيدة، واحدة من أهم مسارح الدولة، التي لا تتوقف عن إدهاشنا وإمتاعنا في كل دورة من دورات الأيام المسرحية.

رماد الأيام

إن كنا انتهينا من براعة الإضاءة في العرض السابق، يمكننا الدخول إلى عرض «رماد الأيام» من خلال إشكالية الإضاءة التي خذلت تنفيذياً وليس لناحية التصميم هذا العرض الذي توفرت له جملة من العناصر الجمالية، بدءا من السنوغرافيا والديكور، والنص لمؤلفه شريف حبيب العوضي، والمخرج المتمكن حكيم جاسم الذي غالباً ما تخذله الظروف.

وتعترض أعماله الكثير من الإشكاليات الطارئة، لكن وعلى جميع الأحوال يقتحم هذا العمل إشكالية إنسانية، وإن كانت تقليدية، لكنها تحمل في بعض جوانبها عمقاً دلالياً وخاصة في علاقة الأم المحاصرة والمهجورة.

وابنتها في عالم من الأوهام والأحلام المستحيلة والمدمرة، العمل من ناحيته الأدبية حافل بمواطن القوة لمؤلف مسرحي محلي منتج وفاعل، لكن وفي بعض اللحظات كانت قوة اللغة ومتانة التعبير أكبر بكثير من قدرة الشخصيات على التعامل معها.

بمعنى أن الرجل الصياد الفقير في المرحلة الزمنية التي كان يعيش فيها قد لا يكون قادراً على استخدام اللغة الرصينة والجمل التعبيرية التي نطق بها، وكذلك الأمر ينساق على المرأة الوحيدة والتي تحولت حياتها إلى مجرد صناعة الدمى، كتعويض لها عن الفراغ والوحدة الخانقة التي تعيشها.

المخرج قدم للعرض رؤية سينوغرافية جميلة ومعبرة، وخاصة في لعبته على موضوع الدمى، وتقسيمه للخشبة إلى أكثر من مستوى حاول أن يجعل هذه المستويات متداخلة ومتوافقة مع الفعل الدرامي، هذه السنوغرافيا الجميلة لم يعكر صفوها غير تنفيذ الإضاءة التي كان يبدو أنها مرسومة بجودة عالية، لكن ثمة خلل ما أسهم كثيراً في الإساءة للعديد من المشاهد واللحظات الدرامية في العمل.

توفرت لهذا العمل جملة من المقومات الإيجابية الواضحة، النص، والرؤيا الإخراجية، لكن برزت مشكلة التفاوت في إمكانيات الممثلين، والانسجام فيما بينهم من ناحية الاستلام والتسليم، والانتقال من حالة لأخرى.

ومحاولة التغلب والتحايل على ما يمكن أن يحدث في العرض من مفاجآت فنية، التفات عزيز لا تحتاج إلى شهادة فخبرتها كانت واضحة للعيان، الممثلة البحرينية وفاء مكي التي بذلت جهداً كبيراً في حمل دورها الذي كان في بعض مواقع العرض على درجة كبيرة من الأهمية، عبدالحميد البلوشي الذي شهدناه سابقاً في عروض أخرى ممثلاً حضوره.

واضح على الخشبة، عبيد الهرش الذي قدم في هذا العمل عرضاً جميلاً توضحت فيه مقدراته، وكذلك عبدالله راشد، وخالد علي في حدود دوريهما.

العمل تضمن على الكثير من الاجتهادات الإخراجية والبصرية التي يجيدها حكيم جاسم، وخاصة لعبة الانتقال في الأزمنة بين الحاضر والماضي، وفي سحب العمل إلى آفاق دلالية واسعة.

وخاصة في التحولات التي راحت الأم تعيشها في نهاية العمل.

وصولاً ربما إلى تحولها هي شخصياً إلى دمية من الدمى المبعثرة على الخشبة، إن عرض «رماد الأيام» تجربة جميلة وجيدة تقاسمت مع «حكايا جبال» ألق الليلة السابعة من الأيام التي كانت البطولة فيها للفجيرة ودباها.

حازم سليمان: