«احفروا بئراً» تجربة جادة لمسرح دبا

المقولات السياسية تطغى على عروض اليوم الخامس

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

لعل أدق صفة يمكننا منحها لليوم الخامس من أيام الشارقة المسرحية أنه كان يوم المقولات، التي تقاسمها كل من العرضين المسرحيين «احفروا بئراً» لفرقة مسرح دبا الحصن، و«منزل آيل للسقوط» لفرقة مسرح جمعية شمل للفنون والتراث،

لكنه ومن المؤكد أن المسافة كانت كبيرة جداً بين هذين العرضين، ففي الوقت الذي اتسمت فيه احفروا بئرا بمحاولة حقيقية رغم تعثرها في عدة مواقف، لتقديم عرض فيه اشتغالات على الشكل البصري، والأدبي،

مضت مسرحية «منزل آيل للسقوط» تراوح مكانها إلى الدرجة التي وصلت فيه حد الترهل والاختناق، ويبدو أن الخط الاحترافي في هذا العمل كان مفتقدا، لكن هذا الأمر لا يمكن أن يكون مبرراً، أمام عمل عرض على الجمهور علانية وهو أيضاً داخل مسابقة الأيام المسرحية.

عبدالله زيد يواصل مسيرته الفنية كمخرج قدم سابقاً مجموعة من العروض والتجارب، فهو ليس غريبا عن المسرح، وهو أيضاً ليس بغريب عن محمود أبو العباس الذي نتقاطع معه هذه المرة كمؤلف لنص يفرغ فيه شحنات عاطفية وإنسانية وسياسية، عبر مجموعة من الخطوط المتقاطعة لشخصيات تعيش عزلتها وهي تعمل على حفر بئر في الصحراء، عالم النص يستند على أكثر من إشكالية،

اجتماعية، وشخصية، وسياسية، وهو في نهاية المطاف يحاول أن يقدم صرخة بدت واضحة ومباشرة ضد لوثة آبار النفط التي كلما فتح واحد منها زاد حجم المأساة، وزادت المطامع فينا، ولذلك يمضي النص إلى تلك الصرخة في آخر العمل التي ترفض بئر النفط الجديد،

أو كما تقول إحدى الشخصيات «لا نريد مأساة أخرى» أو «أوقفوا أوجاعكم»، ومن هنا إن مقولة هذا العمل في خلاصتها هي ربط مابين هذه الثروة وبين كل ما نعيشه أو تعيشه الدول النفطية تحديداً، وهي ذات المقولة التي طرحها عبد الله المناعي في عرضه الصامت الذي كان بدوره صرخة في وجه ما يطلقون عليه الذهب الأسود.

بالشكل العام ومقارنة مع كثير من العروض التي شهدناها حتى الآن في هذه الدورة يصنف هذا العمل من الأعمال الجيدة، والتي تبرز فيها مجموعة من الطاقات والإمكانيات لفريق العمل بصورته العامة، إنها تجربة متماسكة، تدمج بين المقولة الأدبية والبصرية، وتحاول تقديم اجتهادات واشتغالات على الشكل، في مناخ جدي، لا مجانية فيه، ولا ثرثرة،

لكن بنفس الوقت عانى العرض من إشكاليات فنية عدة، وخاصة الصوت الذي كان مأساة حقيقية، وبالكاد كنا نسمع جمل الممثلين خاصة عندما يكونون في المنطقة المرتفعة اعلى البئر، إضافة إلى أن عبدالله زيد لم يولِ عناية حقيقية في تدعيم أزمات الشخصيات بشكلها الجماعي والفردي كعلاقة الأب والابن الذي لا يريد الاعتراف بوالده على سبيل المثال،

وكان من الواضح أن المخرج ركز بصورة أساسية على سنوغرافية العمل، وعلى المناخات البصرية للتجربة، الأمر الذي أدى إلى برودة في الأداء، أو على الأقل أضعف تعاطفنا مع الشخصيات رغم صعوبة العقد الدرامية التي يمرون فيها، ورغم الجهد الذي بذله فريق التمثيل على الخشبة،

ظلت هنا مسافة ما بين الصالة والخشبة وصولاً إلى اللحظات الأخيرة للعمل، التي كانت إنقاذاً حقيقياً له، وقفزة على جميع المستويات، حيث وفق المخرج بتقديم مشهد على درجة من الأهمية، برزت فيه إمكانات عبدالله زيد الحقيقية،

الذي يخوض تجربة مسرحية جديدة تؤكد انه واحد من الأسماء الجادة والمهمومة في المسرح الإماراتي إلى جانب فريق عمله الممثل صاحب الطاقة والحضور الخاص محمد إسماعيل، احمد الحيش، ناصر البلوشي، إبراهيم الشحي، مهندس الإضاءة يوسف الظاهري.

منزل آيل للسقوط

حاول عرض «منزل آيل للسقوط» أن يقدم لنا هماً سياسياً وإنسانياً واجتماعياً، للدرجة التي ضاع فيها وضيعنا معه، فهذا العمل إن نظرنا إلى مفرداته كل واحدة على حدة، سنجد فيه الكثير من القيم الجمالية المهمة، الديكور وهو من تصميم التشكيلي سهيل بدور والذي وضعنا مباشرة أمام مناخ إيحائي ودلالي، الممثلون

وخاصة عبدالله سعيد حيدر الذي لا خلاف على موهبته والإمكانات التي يتمتع بها، حورية ميسوم التي كانت جادة جداً في عملها، وصاحبة الدور الصغير والمؤثر صوغة البلوشي، لكن كل هذه العناصر وحين نجمعها في يد المؤلف والمخرج داود أبو شقرا نراها تتداعى الواحدة تلو الأخرى،

بدءا من نوعية النص الذي طغى فيه الحكي طغياناً كبيراً دون أدنى حاجة له، فمن غير المعقول أن نقضي أكثر من عشر دقائق في كلام ترميه حورية ميسوم عن حبها لزوجها وخيانته لها، وأن تعلق هذه الممثلة في الجهة اليمنى من المسرح طوال مدة العرض تقريبا.

الأزمة الحقيقية في هذا العرض أنه لم يستطع تحديد هويته من البداية، فإن كنا أمام التجريب الذي بدأ المخرج يلعب عليه في مشهد الرجل واللوحات المفرغة، لماذا كل هذه الحواريات التي لا طائل منها، حول فكرة وصلت من اللحظة الأولى للعمل،

ثم جاءت الطامة الكبرى في التكرار الغريب للعبة كسر الإيهام أو ما يسمونه بالجدار الرابع، الأمر الذي أدى إلى أزمة حقيقية في العمل، وخاصة عند إضاءة الصالة وبالتالي تدمير بنية المكان المسرحي على الخشبة، وكأن المخرج لا يدرك خطورة ما فعله وبأن لعبة كسر الإيهام من اخطر ما يمكن فعله وقد يؤدي إلى انهيار العمل تماماً إن لم يكن مبنياً على دراسة دقيقة،

لأنه ينسف كل ما يكون المتلقي قد بناه في ذهنه للتداخل مع العرض. قد نرتضي هذا العمل إن اعتبرناه مسرح هواة، لكن مجرد وجوده على خشبة المسرح في مسابقة المهرجان يلغي كل المبررات التي قد تكون موجودة،

لأن المشكلة في العرض لا مع الممثلين الذين هم تحت سلطة المخرج، ولا في الديكور الذي ظل غريباً وغير منتم للعرض خاصة مع بقاء الممثلين على بعد أمتار من الجمهور، ليبقى هذا الديكور مجرد خلفية، إنها مشكلة إخراجية بالدرجة الأولى، فمثلاً البندقية بشكلها المادي، يتم استخدامها على هذا الأساس،

ثم يستخدم يده إيماء للرد على الهاتف النقال، ثم نرى في جيب الممثلة أمينة شايق هاتفها، خلطة من انعدام انتماء العمل إلى حالة فنية ما، إضافة إلى نص كان يحتاج إلى اختصار نصفه، رغم الاحترام لكل المقولات التي يحملها وكل المشاعر الوطنية والإنسانية.

حازم سليمان

طباعة Email