لم يكن أمام جمهور الصالة إلا أن يصفق بحرارة كبيرة لمسرحية «الظمأ» لفرقة مسرح كلباء، حرارة كان قد افتقدها على مدى الأيام المنصرمة، التي راحت فيها العروض تنحدر بسرعة غير مسبوقة، عبر تجارب باردة، وتفتقد الكثير من سمات المسرح الحقيقي، حين يصير مساحة للبحث، والتجريب، والوعي لخصوصية هذا الفن النبيل والراقي،

ومن هنا فإن عرض الظمأ جاء ليوقف هذا الانحدار، وليعطينا جرعة مسرحية تكاملت فيها العناصر، واتقدت فيها حيوية شباب، على درجة من الجدية والهم المسرحي، حتى انه يمكننا القول دون أن نجانب الحقيقة، إن هذا العرض هو أفضل ما شهدنا في أيام هذه الدورة المسرحية إن استثنينا مسرحية قوم عنتر، وملامح من عرض «صك الباب».

المفرح في هذا العرض أنه قادم من الأطراف، ومن المناطق التي تسمى بالنائية، وليس من أحد المسارح، إلى جانب كونه يحمل بصمة مجموعة من شباب مبهرين، جاؤوا من منطقتهم النائية لينيروا عتمة الخشبة، وليصير ظمأهم قطرة غيث في ظمأ عروض الأيام، التي فتحت أبوابها لكل من أراد أن يقدم عملا مسرحيا، دون وجود عرض واحد على الهامش باستثناء العروض المستضافة.

قوة هذا العمل تكمن في وجود اشتغال مسرحي حقيقي، بدءا من النص القوي والمتماسك الذي كانت جمله تتوالد من بعضها البعض، وتنقلب على نفسها، نحو تصاعدية درامية مدروسة، فالنص الأدبي هنا متداخل ومتشابك مع النص البصري بصورة عضوية، في وحدة حال وظفها فيصل الدرمكي المؤلف والمخرج لصالح فرجة مسرحية امتلكت الصالة، وخاطبت وجدانهم، وأثارت مخيلتهم، في تلك التأويلات غير المنتهية التي ينشحن بها العقل،

فالدرمكي كان أميناً في لعبته للنصين النص الأدبي، والنص البصري، ولم يضعف من واحد لصالح الآخر، ومن هنا يأتي أحد أهم سمات هذا العمل والمتعلقة بتكامليته، حيث بترت الثرثرة القولية، وبترت أيضاً الثرثرة البصرية، ومشى العرض على امتداد وقته في إيقاعية ممسوكة جيدا لم نشهد فيها بلحظة هبوط، أو تطويل.

الواضح في هذه التجربة انها مصنوعة صناعة محكمة، فلكل لحظة من لحظاته وقعها الخاص، في تنوع للحالات وقفز بين الأزمنة، ذهاب وعودة، ابتعاداً واقتراباً، بوحاً داخلياً، وتعرية للشخوص، وكل ذلك كان يتحرك وسط سينوغرافيا حقيقية موحية وموهمة، وصولاً إلى لعبة المجاميع التي أججت العرض وأعطته خصوصية وتفرداً، فلماذا الديكور الواقعي والمادي، ما دام المسرح يعطينا هذا القدر الكبير من إمكانية الترميز،

فمجاميع عرض الظمأ كان جزءاً أساسياً من العرض، ممسوكة جيدا، ومدربة على ما ستقوم به لتمضي بالعمل إلى أقصى درجة ممكنة من الإيهام، فهي الصحراء بكثبانها الرملية، وهي الدروب، وهي بئر الماء، والأشجار، الحلم، والجوقة، وهي التي كانت عبر توظيفاتها الدلالية الذكية،

تفتح في العمل نوافذ، وتعطيه المزيد من القوة الداخلية الدافعة، مع الاستفادة الكاملة من إضاءة محمد جمال التي كانت تتحرك في هذا العرض، وتحيي فيه جمله البصرية، بدقة متناهية، وبما يكفي من الخبرة والذكاء، وبصورة عامة فإن محمد جمال لا يحتاج إلى شهادة أو تنويه، فهو صاحب البصمة المعروفة في مجاله.

وبعيدا عن كل ما أشرنا إليه من أدوات فنية، لا بد من الوقوف عند جمعة علي، وأحمد ناصر، ومحمد البصري، الذين وقفوا على الخشبة ليحملوا عبء هذا العرض، بتناغم وفهم واضح لأدواتهم، وجدية كاملة، حيث بدا ذلك الانضباط، والعلاقة المتداخلة بين الشخصيتين الرئيسيتين على الخشبة،

ووعي لتلك التفاصيل الصغيرة في عملية الخروج والدخول بين الأزمنة، وفي العلاقة مع الإضاءة، والمكان، لقد كانا على الخشبة وكنا نحن في الأسفل منسجمين معهما، ومتداخلين مع مقولات العمل، ونحن هنا لا نمجدهما، بقدر ما نشير إلى شابين مؤهلين حقيقة، لخوض أعمال صعبة مثل ما شهدناه. إن عرض الظمأ لفرقة مسرح كلباء، تجربة تستحق التقدير والإشادة، وهذا ما حدث في الندوة التطبيقية التي حظي فيها فريق العمل على كل ما يستحقه من تشجيع ومباركة.

ليس لنا القول عن هذا عرض طائر الأشجان لفرقة مسرح خورفكان وبكل أمانة قاسية إلا أنه كان مخيباً للآمال، للدرجة التي راح جمهور الصالة يغادرون أفراداً وجماعات، وهذا العرض الذي لم يخل من الجماليات، لكنها كانت جماليات متفرقة، كل واحدة على حدة، وكان واضحاً منذ الربع الأول للعمل، أن النص الأدبي كان اكبر بكثير من النص البصري،

فهذا النص لمؤلفه فيزوندي كيونو سيسا والذي ترجمه وأعده المسرحي القدير قاسم محمد التهم العمل وحوله إلى كلام وصل حد الثرثرة، ورغم أن النص من النوع الذي يمكنه أن يقودنا في مغامرة بصرية وإخراجية كبيرتين، ظل في هذا العرض جامدا، وثابتاً في مكانه، دون أن نرى أي اشتغال حقيقي من قبل المخرج على تفتيته ومشاكسته، والتخفيف من سطوته الأدبية والقولية،

ليرزح الجمهور أمام خطابية، وحوارات تقليدية، وصراع ساذج بين الخير والشر، ولا ندري ونحن نعرف عن محمد إسماعيل أنه من قامات التمثيل المعروفة في المسرح الإماراتي، كيف ترك ممثليه، يؤدون أدوارهم بما يشبه الأعمال المدرسية، وخاصة لجهة التعبير عن الحالات النفسية، رغم ان الممثلة ومساعدة المخرج حاولت أن تنوع في الأداء، وأن تدخلنا في رقصتين، الأولى رقصة الطير،

والثانية رقصة الغزال، إلا أن العمل راح ينفلت، ويسقط تحت ثقل الكلام، والحركات المكررة، والمشهدية التي لم تخدمها أي إضاءة، رغم أن هذا العمل في مضمونه ومعناه الرمزي والأسطوري قادر على فتح شهية الفريق الفني أن يكون أكثر قدرة على التخيل .

هذا العرض يحتاج إلى إعادة نظر حقيقية في كل أبعاده على مستويي الشكل والمضمون، يحتاج إلى إحياء وإنعاش، وعدم الاستكانة للنص، فالأمانة له تكون قاتلة، لا بد من فعل شيء لهذا العمل الذي يحمل كل المقومات الصالحة لإنجاز عرض كبير، يتناسب مع مكانة مخرجه كاسم مسرحي، فطائر الأشجان الذي مات على الخشبة، يستحق أن يبقى حياً في ذاكرة الجمهور.