قال رئيس وزراء السودان الأسبق الصادق المهدي: اننا كأمة نعيش خارج التاريخ، وأن صراعنا ـ وحوارنا الحقيقي يجب أن يكون مع أنفسنا وليس مع الآخر، بعد أن جمدنا تفكيرنا وحركتنا الحضارية في ظل ثلاثية التعصب للذات .

ونفي الآخر والاستبداد، ما أوجد لدينا فهماً خاطئاً للدين جعلنا في موضع عدائي مع الغرب والأمم الأخرى. جاء ذلك في المحاضرة التي ألقاها «المهدي» في مسرح المجمع الثقافي مساء أول من أمس وكانت بعنوان «الصراع والحوار بين الحضارات في عالم متغير» وقدمه فيها الدكتور إبراهيم المرزوقي.

بدأ «المهدي» محاضرته بتحليل جانب من الأزمات التي تواجه المنطقة العربية- الإسلامية، وأن هذه المنطقة تقع تحت تأثير «وافدين» من الماضي والخارج.

ويجب التفكير في كيفية الخروج بسلام من هذين «الوافدين» لأننا إن لم نستخدم العقل في التعامل مع الماضي والآخر فسنتورط في إشكاليات لا يعلمها إلا الله، ثم قام «المهدي» بتفكيك المصطلحات التي عنون بها محاضرته؛ فقال: إن التعرف على ماهية المصطلحات مهم في إيضاح الفكرة.

ولذلك فنحن من جانبنا نرى أن مصطلحي «حوار» و«صراع» الحضارات هي كلمة مصنّعة لا أساس منطقياً لها، وكان يراد منها أغراض وغايات لا تمت للجدل الفكري والعلمي بصلة، بل ان بعض غاياتها تلك هي إنشاء حوارات وجدل خارج سياقات المصطلح نفسه.

وأضاف «المهدي»: حين ننظر إلى الثقافة الإنسانية بمعناها الأشمل نجد أن العالم قد أحصى 10 آلاف ثقافة متميزة، من خلال 21 حضارة اعترفت بها الأكاديميات المتخصصة، ولم يتبقَ من تلك الحضارات ـ حسب قول المفكرين الغربيين ـ سوى عدة حضارات تعيش في هذا العالم.

وهي: الهندية، الصينية، الإفريقية، الغربية، الإسلامية، الأميركية اللاتينية، السلافية، ورغم تحديدهم الرياضي هذا، فإن المنطق يقول أن الحضارة بمفهومها الفضفاض لا تصلح للحوار أو الصدام؛ لأنها ببساطة لا تحوي كياناً اقتصادياً أو أيديولوجيا واحدة أو تربط الحضارة الواحدة منها مصالح أو رؤى مشتركة.

وأستطيع الجزم بأن أول من أطلق مصطلح «صراع الحضارات» هو المستشرق اليهودي «برنارد لويس» في محاولته لإيجاد قاسم مشترك بين اليهود والمسيحيين الغربيين في سبيل الوقوف بوجه العالم الإسلامي، ثم جاء بعده من استخدم المصطلح وطوّره لغايات أخرى ـ أعني به «صاموئيل هنيغتون».

ثم تطرق «المهدي» بعد تفنيده لمفهوم الصراع والحوار ببعدهما الحضاري، ليحدد سبعة محاور أو مسارات يمكن لمفهوم الحوار أو الصراع أن ينطبق عليها.

أو يتحرك في دائرتها، وهذه المحاور هي: الأديان من حيث انها تقوم بإفهام أتباعها نفي الآخر وأفكارها تلك للصراع أو الحوار، الايديولوجيات التي ما زال صراعها قائماً رغم انهيار المعسكر الشرقي، الصراع بين المجتمعين التقليدي القائم على غطاء الوراثة .

والحديث القائم على المفاهيم المؤسساتية، العولمة والتي تشكل «الأمركة» وجهاً من وجوهها ويمكن الحديث هنا عن الصراع بين العولمة بوصفها الاستحواذي والخصوصيات الثقافية للشعوب، الصراع بين الشمال الغني والجنوب الفقير، الصراع بين الأحادية المتمثلة حالياً بأميركا والتعددية الدولية.

وسابع هذه المحاور هي ما يسمى «بؤر الاشتعال الملتهبة» كفلسطين وجنوب السودان وتايوان وكشمير وعشرات المناطق الأخرى، وأعتقد - أضاف «المهدي» ـ أن معاني الصراع والحوار تتضح في هذه المحاور أكثر مما تتضح في المصطلح الهلامي «صراع الحضارات».

وأضاف «المهدي»: ان الصراع والحوار والوفاق لا تدور في فراغ؛ بل انها تسير وفق حركة تاريخ نستطيع من خلالها قياس الأشياء والعوامل التي تتحكم بحركة البشرية، وباعتقادنا فإن الإنسانية في العصر الحديث باتت تتحرك وفق أجندة البحث عن الحرية والعدالة والسعي الإنساني لبلوغ الكمال الاقتصادي.

رغم وجود أجندة معاكسة تحاول العودة والنكوص إلى الوراء بحجة الالتزام الديني والتقوقع خلف الشعارات دون تحكيم العقل، وبهذه المقاييس، وبالفهم المنكفئ للدين فاننا خارج التاريخ، ويجب أن نتخلص من فهم الدين العدائي الذي يضعنا في حالة عدائية متقابلة مع الآخر.

وذلك نابع من «الاجتهاد الصوري الجامد» للفقه الديني، وكل ذلك ألبسنا «قميصاً حديدياً فكرياً» وضعنا في حالة من الركود في مؤازرة واضحة من الاستبداد السياسي بكل صوره الأيديولوجية ـ حتى المتبرقعة برداء الدين.

محمد الأنصاري