لأن « قوم عنتر » جمعت كلاً من اسماعيل عبدالله مؤلفاً، ومحمود ابو العباس مخرجاً، وتمثيل كل من حسن رجب، ابراهيم سالم، مرعي الحليان، سميرة الوهيبي، جمال السميطي، محمد جمعة، سعود عبد الرحيم، كان على الجميع ان يدخلوا هذا العرض لفرقة المسرح الحديث في الشارقة.

وهم على قناعة مسبقة أن ما سيشاهدونه سيكون استثائيا ومهماً،فهذه المجموعة من المسرحيين ان اضفنا اليها محمد جمال كمهندس اضاءة، فإنه يمكننا القول انه تحقق لهذا العرض ما قد لا يتحقق لغيره من طاقات لا تحتاج لمن يعرف بها أو أن يتحدث عن تاريخها وبصمتها في مسيرة الحركة المسرحية المحلية.

ولعل هذه القناعة المسبقة جعلتنا نبحث عن ما يمكن تسميته بالعمل الخارق ان جاز التعبير، إلا أن العمل لم يكن خارقا ولم يحاول الاستفادة من كل هذه الكوكبة بصورة استعراضية أو مجانية.

بل برزت فيه تلك الملامح المهنية والحرفية، نحو عرض اعاد فيه اسماعيل عبد الله عائلة توت النص الاساسي الذي اعتمد عليه لمؤلفه المجري اشتيفان أوكريني، إلى خشبة المسرح وهو من الاعمال التي اغرى العشرات من الكتاب والمخرجين العرب للتعامل معه، ربما لأنه يعالج هما من همومنا الاساسية، ويدخل في صلب التحولات السياسية والاقتصادية التي مررنا بها ولا نزال.

ولعلنا لا نخالف الصواب إن ادعينا مشاهدة مناخيين تأويليين على الخشبة، الاولى هي تأويلات واشارات المؤلف الذي وضع الظرف المحلي في الامارات نصب عينه وهو يكتب، وخاصة لناحية جملة التحولات والانقلابات التي شهدتها المنطقة على مدى السنوات المنصرمة.

والتي هزت بنيان المجتمع المحلي بكل خصوصياته وملامحه نحو منطقة جديدة صنعها الآخر والغريب القادم من مكان ما،على اختلاف اشكال هذا الآخر وظروفه وهويته، اما الرؤية الثانية فهي لمحمود أبو العباس الذي لا يستطيع في اي عرض من عروضه إلا وأن يحيلنا إلى القمع والسلطة والديكتاتوريات والعسكر والانظمة الشمولية، فكنا أمام نقطتي تجاذب .

وربما صراع بين المعنى العميق للتحولات التي تنبني امامنا على الخشبة، فالتعليب كما يراه المؤلف هو تحويل قاس ومؤلم لهذه المنطقة إلى مساحات استهلاكية فقط،أو مركز تسوق يحتاج إلى سيطرة غير محدوة على العقول وطرق التفكير وانماط الحياة .

ومن وجهة نظر ابو العباس كانت التحولات سياسية صرفة وصولا إلى السجن الكبير الذي صنعه ليعزل شخصياته عن العالم، وليتحكم بعقولهم وليعطل لديهم امكانية معرفة مايحدث داخل هذا السجن الذي يسمى وطنا.

قوم عنتر من نوعية الاعمال التي تحتمل الكثير والكثير من التأويلات والاسقاطات ولعل هذه الازدواجية بين فكرتي المؤلف والمخرج اضفت على العمل ميزة جديدة.

حيث لا يمكننا بأي شكل قولبة مقولاته وحصرها رغم مجموعة المؤثرات الصوتية التي كانت تستخدم بين المشاهد وهي في عمومها من التراث الموسيقي والغنائي المحلي أو الخليجي، لتظل الدلالة انسانية ومتسعة تحتمل اسقاطاتها الامتداد خارج حدود هذه المنطقة إلى الكثير من الدول العربية.

وغيرها التي تعيش هذه التحولات أو محصورة داخل ذات السجن الكرتوني الهش، أو المجتمعات الكرتونية الهشة، التي لا تحتاج إلى الكثر من الجهد لتنهار ، أو تذوب كمدن الملح التي حكى لنا عبد الرحمن منيف حكايتها منذ سنوات عديدة.

العمل وكما أشرنا لم يكن خارقاً بالعنى المجاني والاستعراضي الذي بات سوسة تنخر الكثير من العروض المسرحية تحت مسمى التجريب، بل كان على درجة من الاحترافية والمعالجة الهادئة المعتمدة على ممثلين استطاعوا حمل ادوارهم ، وأن يتركوا للمخرج من خلال ثقته بهم ان يبني لعبته على المكشوف، فاتحا كواليس المسرح إلى أقصاها.

حيث لاشيء يحمل العمل غير الممثل وخطوط الاضاءة المحملة بالكثير من الايحاءات رغم وضوح تلبكها لأسباب قد تكون متعلقة بالأمكانيات التقنية للخشبة،وخاصة في سياق الاضاءة الارضية الافقية. لكن هذا الامر لم يمنعنا من التقاطع مع سنوغرافيا غنية، ومع مناخ بصري، لعب على الفراغ .

وعلى فقر المسرح وصولاً إلى كتل الديكور الكبيرة التي بدأت تنبني أمامنا بالتزامن مع تصاعد العمل، وهرميته الدرامية، فكان بناء الديكور متداخلاً مع التطورات والتحولات التي تطرأ على الشخصيات، السالبة والمسلوبة، فكلما كبرت قوة ذلك الوافد الغريب او الديكتاتور، كبرت معه كتله.

وكلما زادت سيطرته على المحيطين به، يأخذون بالغياب خلف هذه الكتل والاسوار وصولاً إلى الغياب الكلي، مع الابقاء على ساعي البريد الذي يمثل صلة الوصل الوحيدة مع العالم الخارجي عارياً ومكشوفا على الخشبة وفي قبضة اليد.

حازم سليمان