ثورة حقيقية نعيشها منذ أكثر من عشر سنوات مع الأبراج الشاهقة التي ترتفع كل يوم في سماء دبي في سباق محموم لتحدي الجاذبية الأرضية، هذا السباق الذي جعل تجار المدينة يذهبون في المغامرة حتى أقصاها لبناء برج دبي الأطول في العالم وإعلان المدينة عاصمة للأبراج الحديثة المعاصرة التي تتباهى بتصاميمها المبتكرة وارتفاعاتها المستحيلة على الطير والنظر.

تشكل الأبراج ثقافة جديدة، خصوصاً في المدن الخليجية البكر، فهي من ناحية تعد العنوان الصارخ للثراء والرأسمالية العابرة للقارات، والعابر بين هذه القمم لابد أن يصاب بألم في الرقبة.

وهو يتأمل رافعاً رأسه بالساعات في الشواهق المضاءة بألوان النيون وفي التصاميم المركبة المربعة والمكعبة التي تتغير كلما تغيرت زاوية النظر وكأنه في عالم ساحر لاستعراض فنون الهندسة الحديثة، ولكن العابر بين هذه القمم بالكاد يدرك أن ملاك هذه الأبراج هم في الغالب مستثمرون من كل العالم .

وكذلك من يسكنون في الشقق الفارهة والذكية التي تتربع في الطوابق والأدوار العليا، عالم آخر ذو طبيعة عالمية، حيث تلتقي المصالح والأموال والأحلام في نقطة مركزية بين الشرق والغرب ويقرر الجميع بناء استراحتهم هنا، استراحة تليق بتعب العابرين حول العالم بكل ما يمكن أن تفرزه من أنماط وسلوكيات ثقافية جديدة.

هذا التجمع العالمي في دبي بدأ يجذب ويفرز بالتدريج أسلوبه في احتضان الثقافة التي يريدها، واليوم هناك مهرجانات لموسيقى الجاز وعروض مسرحية عالمية وسهرات أوبرا.

ومعارض لأشهر الرسامين ومزادات على تحف نادرة وحفلات صاخبة لأحدث المطربين الشباب من أوروبا والولايات المتحدة، وتتمدد هذه الثقافة بشكل أوسع في الفرق الموسيقية الصغيرة والمعارض الفنية والأمسيات التي تقام بشكل يومي في الفنادق والأندية.

ومعها عشرات المجلات التي تتابع هذه الأنشطة وتروج لها. إنها باختصار عالم كامل من الثقافات المتعددة التي تتراكم يومياً في المشهد الباذخ للمدينة بعيداً عن الثقافة الأخرى المحلية والعربية التي نقرأ عنها في صفحاتنا الثقافية.

في هذه الأنشطة بالكاد يتسلل صوت أو ريشة أو أداء فنان إماراتي لأن الشروط (العالمية) المطلوبة لاقتحام هذا العالم غير متوافرة في معظم إنتاجنا الثقافي والبداية من اللغة، وفي السابق كان بعض منظمي المعارض التشكيلية يدعون الفنانين في الإمارات للمشاركة، لكنهم تراجعوا في السنوات الأخيرة وصارت معظم انشطتهم مغلقة .

وخاصة بهم ولا داعي لاقحام المواطنين فيها حتى لو كانت أعمالهم الفنية متوازية مع البقية أما بقية الفنون فهي غير مدرجة على القائمة ولا تتناسب مع أجواء هذا العالم من وجهة نظر البعض.

ما نريده هو التواصل الحقيقي مع هذا العالم، نريد أن تقام أمسيات ومعارض مشتركة، نريد من المقيمين بيننا أن يرونا ويسمعوا صوت شعراءنا ويشاهدوا عروضنا المسرحية ويتأملوا في لوحات مبدعينا على أقل تقدير.

ونريد نحن أيضاً أن نراهم ونسمعهم بشكل أوضح، نريد ما يربط بين الثقافة العالية التي تسكن في الأبراج والثقافة الحية الموجودة على الأرض.

akhozam@yahoo.com