لا شك أن المقهى اختيار مشروط لكل الفئات، ولكن ثمة نداء غامض يحتويك وأنت في قاهرة المعز أن ترتاد مقهى الأدباء، وتلك الصفة المقترنة بالمقهى مجازية بالطبع، فثمة مخالطة دائمة بين عابرين ومؤسسين، وبالتالي فالويل للغرباء، إذا لم يلتزموا الصمت الضروري في حضرة الشعراء والأدباء.

وقد يتضمن النقاش محواً ونفياً وسجالاً للآخر، فهذا ليس بشاعر، وذاك لص، وآخر يفتقر الموهبة، ولا مانع أيضاً من الشجار إذا لزم الأمر، وهكذا تجد نفسك أمام الكتابة الأخرى وقصيدة النثر وإشكاليات الخطاب الحداثي، أو يباغتك الحضور بهذا الصخب لتقارب الطاولات، للاحتفال بصدور ديوان جديد أو ترجمة لكتاب.

وسرعان ما تنطلق الصيحات والقهقهات، وتتلاشى النغمات الصادرة من آلة العود، والعازف منكفئ على آلته، وهو ينظر باتجاه الوجوه المحتقنة، ثم يعاود عزفه من جديد.

قدمة لابد منها حيث ارتبط المقهى بالثقافة والإبداع منذ أزمنة بعيدة، وصوت الراوي البدائي يصدح بالنشيد، والجمهور ينصت إليه في حلقة دائرية حول نار مشتعلة، وفى أمسيات باردة وأخرى شديدة القيظ.

وإما أن يتململ الجمهور وينقض ضرباً على الراوي، وإما أن يدعوه ليبيت ليلة أخرى، وشرط البقاء هو جسارة الاجتراح، والإتيان بالمغاير عبر شذرات من حكاية خرافية لا تنتهي، ومن عصر إلى عصر، تطور الشكل البدائي للتجمعات الإبداعية، إلى أماكن تسمى بالمقاهي أو بالمنتديات الثقافية.

والمقاهي تحوى طاولات متراصة بين فراغات متساوية، ويتصاعد اللغط الدائر بين المتحلقين، ليتقاطع مع سحب الدخان المنبعثة من النراجيل «الشيش» ولفافات التبغ، وفى القاهرة وحدها ذكريات لدفء إنساني وميلاد إبداع مغاير لأسماء عديدة مثل: المازني والعقاد، ويوسف إدريس ويحيى حقي ونجيب محفوظ وأمل دنقل ونجيب سرور ويحيى الطاهر عبد الله وغيرهم.

لا يدرى أحد ما سر تلك الجسور الممتدة بين أتيليه القاهرة ـ الملتقى الرسمي للأدباء والفنانين ـ وبين تلك المقهى القريبة منه، فثمة خطوط متقاطعة للأدباء تقضى بهم إلى «زهرة البستان» و«الجريون» فالجلسات التي تبدأ في الأتيليه سرعان ما تنتهي ليرحل بعض الجالسين إلى مقهى قريب.

الطريف أن بعض المقاهي أعلن استقلاله عن الرواد العموميين، وعلق لافتة مذيلة بعبارة «ملتقى الأدباء والفنانين «وهناك «مقاهي» اشتهرت بروادها من الأدباء والمثقفين، مثل «على بابا ـ ريش ـ زهرة البستان ـ الفيشاوي» والتي شهدت العديد من المناقشات والجلسات الدافئة، وأخرى ليست على ما يرامك.

ومن المؤكد أن شهرة بعض المقاهي اقترنت بروادها من الأدباء مثل مقهى «على بابا» في وسط القاهرة، الذي اعتاد الكاتب الكبير نجيب محفوظ أن يرتاده في الصباح الباكر.

ويجلس في طابقه العلوي متأملاً الميدان الفسيح من النافذة، وهو يرشف قهوته، أو يطالع جرائد الصباح، ليزداد المقهى شهرة وحركة، بعد أن حصل محفوظ على نوبل، ليتسلل إليه «الفضوليون» في انتظار رؤية أديبهم الكبير، الذي يبادلهم التحية، وترتسم على وجهه ابتسامته المعهودة.

يقول الناقد محمود أمين العالم إن لقاءه الأول بمحفوظ كان في أواخر الخمسينات، وذلك في جلسته الأسبوعية بكازينو الأوبرا، لتمتد صداقتهما منذ هذا اللقاء، ولتربطهما وشائج إنسانية لأكثر من ربع قرن.

يذكر أيضاً الروائي إبراهيم عبد الحميد أن لقاءه الأول بمحفوظ كان بمقهى «بترو» في الإسكندرية، وأنه انجذب لحديث محفوظ وسائر الأدباء المتحلقين حوله، ثم دفعه النداء ليمضى وراء محفوظ في المقاهي القاهرية ودائماً ما كان يجلس صامتاً، وهو يراقب الرجل في حديثه وصمته، دون أن يتكلم أو يشارك في الحوار.

وبعد سنوات طويلة وعلى مقربة من مقهى ريش، كان الأدباء والمثقفون يتوافدون على مقهى البستان في ليلة باردة، بعد أن تحول المقهى لسرادق عزاء لفقد القاص النوبي الشاب إبراهيم فهمي، الذي ارتبط بهذا المقهى سنوات عدة، وأصبح جزءاً منه حتى أنه كتب قصة تحت عنوان «من دفتر البستان».

ومن مقهى «ريش» انطلقت فكرة مجلة «جاليري 68» التي أسسها مجموعة من المثقفين بعد نكسة 1967، ليقدموا إبداعاً مغايراً من خلال نصوص جميل عطية إبراهيم، وسيد حجاب وعبد الرحمن الأبنودي وإبراهيم منصور وإدوار الخراط وإبراهيم فتحي وآخرين.

وفي رأي الناقدة فريدة النقاش أنه لا تزال بعض المقاهي موجودة، وتمارس دورها، ولكنه دور هامشي لأن الدور الرئيسي انتقل للأماكن المخصصة الأخرى مثل المكتبات العامة والأحزاب السياسية التي تعقد منتديات ثقافية، وكان من الضروري أن تنزوي أهمية المقاهي.

يتفق بعض المثقفين في أن المقاهي مركز لمعايشة الهم الجماعي والتواصل بين مختلف الأجيال المبدعة بينما يرى البعض الآخر أن التطورات الهائلة في السنوات الأخيرة من هذا القرن، قد تدفع إلى زوال هذا الشكل للتلاقي بين المثقفين في القرن القادم، فهل يصمد المقهى أمام التحولات، أم يصبح كلمة تراثية مثل الخان والخانقاه والسبل؟

القاهرة ـ خالد محمد غازي: