خذل الشعراء الشعر في يومه العالمي، ولم يتفضل أحد منهم ولو من باب المجاملة، أو لمجرد إلقاء التحية، وظلت قاعة الندوات في قصر الثقافة بالشارقة خالية إلا من بعض الحضور وأغلبهم من الإعلاميين والعاملين في دائرة الثقافة والإعلام، رغم أن بيت الشعر اختار أن يكرم في هذه المناسبة الشاعر شخصية إماراتية كبيرة ألا وهي مبارك بن سيف الناخي والشاعر التركي الشهير ناظم حكمت، لكن الشعر يبقى وإن غاب الشعراء.

احتفالية يوم الشعر العالمي التي بدأت أمس وتختتم اليوم، تضمنت في أولى فعالياتها أمسية قدمت فيها أوراق بحثية عن الشاعرين مبارك بن سيف الناخي، وناظم حكمت، وإطلالة شعرية للشاعر حبيب الصايغ، الذي قدم مجموعة من قصائده، بحضور عبدالله العويس مدير عام دائرة الثقافة والإعلام.

وممثل عن السفارة التركية، وبعض من أفراد عائلة الراحل مبارك الناخي، حيث كانت الورقة الأولى للباحث عبد الله الطابور الذي غاب بدوره، وتمت قراءة بحثه الذي حمل عنوان «الدور النهضوي والثقافي لمبارك بن سيف الناخي» بالنيابة عنه.

والذي تضمن في بعض ملامحه أن الشاعر والأديب مبارك بن سيف الناخي يعتبر ظاهرة أدبية في تاريخ الإمارات، عاش حياته مناضلاً بالكلمة والرؤية، ليس في الإمارات بل أينما وجد، وأشار بحث الطابور أن فكر الناخي الإسلامي تشكل من جو الحياة العامة في الحيرة الشارقة وتنقله وأسفاره.

وعكست قصائده همومه الوطنية والقومية، راسما في الكثير منها صورة الألم الذي يعيشه كل عربي مما وصلت عليه حال الأمة وما آلت إليه من ضياع وتشتت، وكان دائم الدعوة لعدم الخضوع والانزواء في الجهل والتخلف، وقد لعب دوراً كبيرا في نشر الوعي الوطني واليقظوي بتبنيه للأفكار القومية الإصلاحية.

وقيامه بالخطابة في المساجد والمجالس مندداً بدور الاستعمار في السيطرة على مقدرات الأمة، كما كان له دوره البارز في تعريف سكان المنطقة بما يحدث في فلسطين، وسلب حقوق العرب والفلسطينيين وتهويد المقدسات الإسلامية وتدنيس أماكنها الطاهرة، الأمر الذي دفع الإنجليز بكتابة التقارير باعتباره رجلاً ثورياً.

وخلصت ورقة الطابور إلى أن الناخي الذي أسس لمرحلة مضيئة من صفحات الإمارات تقودنا إلى الكثير من مثل هذه الصفحات التي لم ندرسها بعد أن تم إهمالها للاعتقاد أن تلك الفكرة كانت مظلمة ولا يوجد فيها رواد وحركة ثقافية ناضجة.

والمؤكد أن هذه الحركة الثقافية لم يقتصر تأثيرها على الساحة المحلية بل امتد إلى الخليج العربي وتجاوزه إلى المنطقة العربية بصورة عامة، مع العلم أن مبارك الناخي عرف بتفاعله مع المثقفين والمصلحين العرب الكبار، كما كتب الكثير من المقالات والقصائد في عدد من الصحف العربية، وكانت له مراسلاته مع رواد النهضة العربية.

نجمة عصية على الذبول

نصيب ناظم حكمت في هذه الأمسية كان ورقة نقدية قدمها الدكتور علي جعفر علاق وحملت عنوان «كان صوته يأتينا كنجمة عصية على الذبول» أشار في مستهلها إلى أن معرفتنا بناظم حكمت لم تكن مكتملة ولا منصفة، كان ينقصها الكثير لتكون لائقة بشاعر مثله.

واقتصرت هذه المعرفة أو كادت على شعره السياسي والايديولوجي، وهكذا تم اختزاله إلى نبرة واحدة ووحيدة دون الالتفات إلى ذلك الطيف الحميم والمتشابك من النبرات والأصداء والتوجع والخذلان التي يطفح بها الكثير من شعره.

شعر حكمت كما قال العلاق يهجم على الحياة بكل ما فيها من قبح، وبطش، وخيانات، ويشتبك مع الكوارث أو عبثها دون وجود للاحتفاء بالشكل بحد ذاته،، فهو ينتمي بعمق وألم إلى شعراء الحياة وقصائده لا تلمس أشياء الحياة.

بل تمتلك الحياة بكاملها بما فيها من خفة أو رعب أو تهتك، وأضاف العلاق ان الاحتفاء بشاعر بقامة ناظم حكمت، وهو احتفاء بالقصيدة وهي تخرج من غرفة الإنعاش، ومن تنفسها الاصطناعي، وهي تخرج من غيابها عن الدلالة، وإيغالها في اللعب اللفظي، إنه احتفاء بالقصيدة التي لا تأنف من حياتنا المليئة بالمهانات، والدم والفضائح.

ومن هنا دعا العلاق ليس إلى شعراء مثل حكمت وغيره، فلكل زمن ذائقته، لكن إلى عودة القصيدة نحو وعيها، والى يقظة الروح والجسد، إلى أن تحتشد لغتها بالعرق والذعر والحلم، أي تكون قصيدة حياة بكل بما فيها من قسوة، وأنهى العلاق ورقته بالقول:

ها نحن أبناء الخطأ الأول، نمد سلسلة الأخطاء والانهيارات إلى نهايتها المفتوحة على المجهول، ها نحن نتلمس كثافة الليل مرتعدين، وها نحن نكف عن عد ضحايانا لكثرتهم المخيفة، فما أحوجنا إلى القصيدة التي تضيء ضمائرنا، وتجعلنا أكثر قدرة على مقاومة هذا القبح، أو على تحمله على الأقل.

تكريم الناخي وحكمت

ختام الأمسية الأولى من احتفالية يوم الشعر كان تكريماً للشاعرين الراحلين مبارك بن سيف الناخي، وناظم حكمت، حيث قام عبدالله العويس بتسليم دروع التكريم لعبدالرحمن سيف مبارك الناخي.

وسنان الهان ممثل السفارة التركية في الدولة، ثم ألقى الشاعر حبيب الصايغ مجموعة من قصائده التي جاء بعضها قصيرا، وبعضها محملاً بثقل الهوم والخوف والقلق والأسئلة الكبرى، كما في قصيدته الصعبة والتي جاءت بعنوان البطريق.

حازم سليمان