استمراراً للنشاط الشهري «كاتب وكتاب» الذي يقوم به النادي الثقافي العربي، تناول الدكتور عبدالله ولد محمد سالم، أول من أمس في مقر النادي، كتاب «مقدمة المهابهارتا» من تأليف «ج.أ.ب فان بويتنين، وهو من ترجمة الزميل كامل يوسف حسين، وإصدارات دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة.
حيث أوضح الدكتور عبدالله أن أهمية الكتاب الذي تناقشه الجلسة متأتية من أهمية موضوعه، ذلك ان ملحمة المهابهارتا من أقدم النصوص الملحمية وأطولها، فهي تتكون من مئتي ألف بيت موزعة على ثمانية عشر كتابا، بالإضافة إلى ملحق بعنوان «هرفمشا» نسبة للإلة هري.
وهي بذلك مجموعة كبيرة من الاسفار، دفعت ببعض النقاد إلى اعتبارها مكتبة ملاحم، كما أن ثراء مضمونها جعلها لا تبدو عملاً أدبيا وحسب، وانما تفيض مع ذلك بالحكمة العرفانية العميقة والتعاويذ الروحية والدينية.
وأضاف د. عبدالله أنه حسب الميثولوجيا الهندية، هناك سلالتان هندوسيتان، هما السلالة الشمسية التي تمجد ملحمة الراماينا تاريخها، والسلالة القمرية التي ينتسب إليها ابطال المهابهارتا الذين هم أحفاد بهارتا.
ويشترك في تكوينهم الاهوت والتاسوت عن طريق التزاوج، كما يشكل تاريخهم عن طريق الصراع الذي تلعب فيه الآلهة أدوارا حاسمة وتسهم فيه الطقوس السحرية والخرافة والتعاويذ.
وان ما لفت انتباه الباحثين في هذه الملحمة هو تنوعها الأسلوبي والإيقاعي بصورة وضعت وحدانية المؤلف محل سؤال، خاصة أن الرواية المتداولة تنسب إلى «الحكيم قياسا« الذي يلعب دور الراوي واحد الشخوص المركزية فيها، إضافة إلى ذلك ارجع بعض الباحثين عدم وحدانية المؤلف إلى ان تأليفها قد امتد طوال ستة إلى ثمانية قرون.
ومع هذا فإن ملحمة المهابهارتا استطاعت في تناغم فريد من نوعه ان تجمع الكثير من ضروب المعرفة الإنسانية في عصرها، وان تسجل ضمير مجتمعها ورؤيته للإنسان والحياة والمصير.
وفيما يخص الترجمة التي قام بها الزميل كامل يوسف حسين عن فان بويتنين الذي ترجم المقدمة عن اللغة السنسكريتية، يرى المحاضر ان المترجم بيّن قيمة العمل المترجم باعتبار الملحمة كياناً هائلا من الأدب العالمي نجهله.
والجهد الذي بذله خطوة على الطريق، خاصة أن كامل يوسف يثير بحس نقدي رفيع إشكالية توقف جهود ترجمة الملاحم عموما، وإشكالية عدم الاهتمام بالملاحم الشرقية خصوصا.
ويرى د. عبدالله انه مع أهمية هذا الكتاب مع تقديره للجهد المبذول إلا أن هناك بعض الملاحظات على الترجمة لابد من ذكرها، وأكثرها إلحاحاً ضرورة تثبيت عنوان الكتاب الأصلي باللغة الإنجليزية.
وكذلك اسم صاحبة بتلك اللغة، وجهة نشره وتاريخه، فضلا عن كتابة أسماء الأعلام الأجنبية باللغة الأصلية للنص المترجم داخل المتن أو خارجه في ملحق، حتى يتسنى مقارنته بأصله من جهة، وليعرف القارئ كذلك زمن النص المترجم إلى لغته.
ومن النقاط المهمة التي تناولها الدكتور عبدالله في محاضرته، العرب وتلقي الملحمة، مبينا ان معظم الملاحم القديمة سترتبط من جهة بالأدب القصصي الحدثي، ومن جهة أخرى بالأدب الغرائبي الميثي، وكلا النمطين لم يظهرا في الأدب العربي الفصيح ظهورا بينا، وظل مجالهما محصورا في الرواية الشفهية..
ومع وجود شعر عربي جاهلي حكى عن المعارك، وتضمن نفسا ملحمية، إلا أنه لم يتصف بكل صفات الملحمة كجنس أدبي، ويمكن الإشارة في هذا السياق إلى معلقة عمرو بن كلثوم أو معلقة عنترة.
هذا ولم يكن العرب على جهل بالملاحم فقد جاء ذكر الشاعر اليوناني هوميروس عند ابن خلدون وابن أبي أصيبعة مثلا، وكان حازم القرطاجني على يقين بأن ارسطو لو اطلع على شعر العرب لزاد كثيرا من القواعد التي تضمنها كتابه «فن الشعر».
وأشار د. عبدالله إلى أن هناك محاولات شعرية عربية حديثة للوصول إلى المواصفات الملحمية، كملحمة الشاعر الشيخ كاظم الأزري، أو ملحمة عبدالمسيح الأنطاكي، أو بولس سلامة أو محمد مهدي الجواهري، لكنها كلها محاولات، لو تم فحصها بمسبار النقد، لا ترتقي إلى مستوى الفن الملحمي، وذلك لغياب خصائص أساسية مثل طبيعة الأبطال، ولا معقولية الأحداث، وغياب حضور الشاعر المبدع.
وفيما يخص تلقي العرب لملحمة «المهابهارتا» يرى أن هذا التلقي كان محكوما بوضعهم الحضاري، واختلاف الزمن الثقافي بينهم وبين سياق الملحمة، لكنه كان مع ذلك جزءاً من تلقيهم للأدب الملحمي خصوصا، والآداب الأجنبية عموما.
وفي نهاية المحاضرة دارت نقاشات عديدة حول الترجمة عن لغات وسيطة، وعلاقة الملاحم بالدين، والزمن والمكان، وأسئلة حول عدم وجود ملاحم فرعونية، أو يمنية في حضارة سد مأرب رغم تشابه تلك الحضارات مع حضارة بلاد الرافدين التي ظهرت فيها ملحمة جلجامش.
محمود ابو حامد