لم يكن غياب الشاعر علي بن رحمة الشامسي مجرد رحيل لمبدع إمارتي عادي، بل كان غيابا اعتبره الجميع وعلى جميع المستويات خسارة لواحد من أبرز الشعراء الذين عرفتهم المنطقة، ليس فقط لكونه شاعراً كبيراً ومتميزاً، بل لكونه من الذين جددوا في بنية القصيدة الشعبية، ماضياً بهذه القصيدة نحو لغة أكثر تطوراً، وزاويا تعبيرية.
وبناء لجملة شعرية وصورة فنية، أسست للكثير من القيم الفنية والإبداعية الجديدة والتي تأثر فيها الكثير من الشعراء الذين عايشوه أو جاؤوا من بعده.
كما أن الشاعر الراحل يحسب له الارتقاء بعامية القصيدة نحو لغة منتقاة اقتربت كثيرا من الفصحى الأمر الذي فتح أمام هذه القصيدة مساحات واسعة للانتشار، إضافة لكونه استطاع أن يضخ روحاً ونكهة جديدة في القوالب الشعرية الموروثة.
ومن هنا فإن ما يستحقه هذا الشاعر من قبل المثقفين والمؤسسات الثقافية العديدة والمنتشرة على أراضي الدولة أكثر بكثير مما شهدناه، ولعل دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة.
ومبادرة منها لتكريم الشاعر الراحل أقامت له ما جاء تحت عنوان «ملتقى الوفاء لشاعر الونة علي بن رحمة الشامسي» الذي تضمن عدة فقرات من أبرزها المعرض المصغر لمجموعة من الملصقات والشهادات التقديرية والصور الشخصية.
إضافة لفيلم قصير لخص بعضا من ملامح حياته، الى جانب الأوراق والأبحاث التي قدمت من قبل الشعراء والباحثين الذي شاركوا بهذا الملتقى الذي أقيم مساء أول من أمس في قصر الثقافة بالشارقة بحضور عبدالله العويس مدير عام دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة.
جاء هذا الملتقى الذي غاب عنه الجمهور أو على الأقل غاب الكثير من الشعراء المحليين الذين يفترض لهم التواجد في مثل هذه المناسبة نوعاً من الوفاء لرجل استحق التقدير والتكريم في حياته، كما فعل قبل عشر سنوات من الآن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، ويستحقه بعد وفاته.
جاء مناسبة لتقديم مجموعة من الأوراق البحثية التي تناولت الشاعر الراحل من زوايا عديدة ومتنوعة، كما كان الملتقى فرصة لدائرة الثقافة والإعلام لتعلن أنها في صدد طباعة كتابين عن الشاعر، الأول سيتضمن مجموعة البحوث التي ألقيت في الملتقى والثاني يتضمن دواوينه القديمة إضافة إلى عدد من القصائد التي لم تنشر من قبل.
خصوصية التجربة
لم تتسق الأوراق المقدمة في الملتقى ولم تتفق في مناخاتها رغم اتفاقها على نقطة واحدة هي أهمية الشاعر الراحل وخصوصية تجاربه الشعرية ، فبالوقت الذي تحدث فيه الدكتور فالح حنظل عائدا في ذاكرته الى منتصف السبعينات .
حيث كان اللقاء الأول، وما تبعه من مجموعة مشاريع مشتركة كان من أهمها تدوين إحدى مجموعاته الشعرية، ثم اشار حنظل الى مجموعة من المميزات الخاصة بشعر علي بن رحمة الشامسي منها ارتباطه بواقعه.
وبلحظته الراهنة والمستقبل الى جانب احتفاظه بالحنين الى الماضي الذي كان يظهر بين الحين والآخر في قصائده، داعيا الى الضرورة الملحة في الاهتمام بجمع قصائده وقصائد غيره من الرواد لما في ذلك من اهمية كبيرة تصل حد الواجب الوطني، مضى الشاعر احمد راشد ثاني في ورقته للحديث عن شعراء العامية في القرن العشرين والمتغيرات الفنية والتكنولوجية.
علي بن رحمة الشامسي نموذجا متناولا مجموعة من النقاط الجوهرية في قصائد المدح والهجاء والآلية التي تم التعامل معها من قبل المؤسسة الرسمية التي كانت في ذلك الوقت قيد التشكل والتأسيس.
ثم تناول ثاني ديوان للشاعر الراحل الذي قام بجمعه الدكتور فالح حنظل متطرقا الى مجموعة من الملامح الأساسية التي يتشكل منها هذا الديوان.
صورة كاملة
وقفة عبد العزيز المسلم في هذا الملتقى كانت مع المكان في شعر علي بن رحمة الشامسي الذي اعتبره الشاعر الأكثر حضورا في نصه.
حيث تصير الصورة لديه كاملة وغير مختزلة، يرسمها على مشارف المكان، ثم يدنو منه فتتوضح التفاصيل أكثر فأكثر، حتى يعي المتلقي إحساس الحقيقة ثم يمزجه بالخيال الذي يواري فيه حبيبه، حتى لا يجعل رؤيته مشاعاً، لكنه في الوقت نفسه يعطي الصورة حقها والمتلقي متعته التخيلية الرائعة.
أما عبدالله الشعيبي تحدث عن النص الغنائي الإماراتي معتبرا أن فن الونة شكل نوعا من المرجعية لدى الشاعر الراحل، الأمر الذي جعل التعاطي مع نصوصه غنائياً ذات وقع على المستمعين خصوصا من لديهم ذلك المخزون التراكمي المكاني المرتبط بالإمارات والخليج العربي، وخصوصا مجتمعات البداوة.
أو من عاشوا فيها، ولذلك يمكن القول إنه كان وفياً لفن الونة الذي يحمل في خصائصه الداخلية اجواء من قبيل الحميمية، « العاطفة الجياشة، الميل نحو الشجن، الاستذكار الإنساني للعلاقات ذات الصفاء الروحي والعاطفي»، وهذه كلها اجتمعت في التركيبة الخاصة بالشاعر، مما جعلها قادرة على تمثلها من باب الصدق والإيمان بالذات وعدم التكلف.
بصمة حقيقية
الشاعرة شيخة الجابري أشارت في ورقتها التي حملت عنوان «البر والمزيون» والحقيقة الغائبة إلا أنه ليس من السهل أن تتعلق قلوب الناس وتشغف بشاعر ما إلا إذا ترك ذلك الشاعر بصمة حقيقية وقوية تبقى آثارها على المدى القريب والبعيد في روح الإنسان .
وذاكرته التي تتنازعها أشياء كثيرة، والشاعر الراحل علي بن رحمة الشامسي هو أحد المبدعين الكبار الذين كان لهم حضورهم المختلف عن الآخرين،ميزة في حضوره وتواضعه الجم.
وحبه للحياة والطبيعة واهتمامه بالشعر والشعراء وتعلقه بفن الونة الذي برع فيه اذ كان من أجمل الأصوات التي صدحت بالشعر، لطالما تغنى الناس بكلماته الفياضة الجميلة، ونوهت الجابري الى بعض الأخطاء الإعلامية التي حدثت بعد وفاته وخاصة في بعض التوصيفات التي أطلقت عليه.
وفي نسبة بعض النصوص التي ليست له، مؤكدة على ضرورة توخي الدقة في مثل هذه المواضيع حفاظا على الحقوق المعنوية والأدبية للشاعر الكبير الراحل.
أما الباحث سلطان بخيت العميمي قدم في ورقته وقفات مع أوراق من سيرة حياته وتضمنت الورقة معلومات وحكايا طريفة ومهمة مرتبطة بمسيرته الإبداعية الشخصية، والوظائف التي عمل فيها خارج دائرة الشعر والكتابة.
ورقة ميرة القاسم كانت الأخيرة في هذا الملتقى وجاءت تحت عنوان الأبوية الشعرية الحميمة مشيرة الى الحس الأبوي الذي كان يتسم به الشاعر الراحل، حيث كان قريبا من الكل وخاصة الشعراء الذين اقتربوا منه وتعايشوا مع نموذجه الإنساني اليومي، فضلاً عن نموذجه الشعري.
وكان باعتراف الجميع يمثل النموذج الحقيقي للتلازم بين ما يفعله وما يقوله في شعره، يقارب الأشياء بشكل روحاني،لأن الشاعر كما كان يؤمن مرآة ما يعيشه، والناس يبحثون عمن يعبر عنهم، ويعيشهم ويتماهى فيهم، دافعا بالعناصر الشعرية الإماراتية لتكون امتدادا لروحه.
وليس في ذلك امتداد لأية أنانية تذكر، بل هي حق مشروع لكل شاعر قادر على أن يوجد زمنا جميلا كما يراه، خصوصا حين يكون الشعر بوابة ذلك الشعر الجميل.
كانت أمسية عايش كل من حضرها ملامح من مسيرة علي بن رحمة الشامسي، ومميزاته التي لم تنحصر في دائرة الإبداع والشعر فحسب بل امتدت الى جميع النواحي الإنسانية، وعلاقته مع الوسط الشعري والاجتماعي الذي كان يحيط به، ليكون هو أيضا صورة صادقة عن هذا المجتمع والتحولات التي مر بها على مدى السنوات المنصرمة.
فمن المعروف ان الشاعر الراحل من الشعراء المخضرمين الذين عاصروا كبار الشعراء القدامى أمثال سالم الجمري، وماجد بن علي النعيمي، راشد الخضر، وحمد خليفة بوشهاب، وراشد بن طناف وغيرهم.
حازم سليمان
