فتحت يومية «الوطن» الجزائرية الناطقة بالفرنسية ملفاً شائكاً أول من أمس الخميس بتنظيم ندوة نادرة حول دور التاريخ والمؤرخين في العلاقات بين الجزائر وفرنسا بعنوان «حرب الذاكرة» شارك فيها كوكبة من المثقفين المهتمين بهذا الملف.
وحضر التظاهرة عدد كبير من المسؤولين والشخصيات السياسية في الجزائر بينهم ثلاثة رؤساء حكومات سابقين هم مولود حمروش ومقداد سيفي وإسماعيل حمداني. وتناوب أساتذة جامعيون ومؤرخون على تقديم مداخلات أبرزت الجوانب الظاهرة والخفية من «حرب الذاكرة» الدائرة رحاها بين البلدين.
وأكد أستاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر محمد حشماوي أن العلاقات بين البلدين تعرف اليوم اضطرابا واضحا نتيجة «تبني البرلمان الفرنسي قانون 23 فبراير 2005 وبالأخص بعد أن انتشرت مناظرات فظة في الأوساط الفرنسية».
وقال حشماوي في جلسة افتتاح الندوة إن «الجزائر التزمت الصمت عكس فرنسا التي أثار فيها إصدار هذا القانون زوبعة من ردود الأفعال»، واتهم النخبة المثقفة الجزائرية بالتقصير وقال إن «رجال السياسة والمفكرين والعائلة الثورية لم يكلفوا أنفسهم عناء التحرك».
وظل الأمر كذلك حسب حشماوي إلى أن جاء تحدث عن الموضوع رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة وقطع هذا الصمت حين قارن مجازر 8 مايو 1945 بالجرائم التي ارتكبها النازيون قبل أن يطالب فرنسا بالاعتذار عن جرائمها كشرط أساسي للتوقيع على معاهدة الصداقة بين البلدين».
ومن جهته أكد الناشط في مجال حقوق الإنسان الفرنسي جيل مانسيرون في مداخلة تحت عنوان «الماضي الاستعماري: فرنسا في مفترق الطرق» أن قانون 23 فبراير «أشعل فتيل النار» وسمم العلاقات الجزائرية الفرنسية.
أما المؤرخ الجزائري الشهير المقيم بفرنسا محمد حربي، فقد فضل التركيز على الذاكرة الجزائرية، وقال إنه على الجزائريين أن يمارسوا النقد على أنفسهم، ويقدموا نظرة موضوعية لتاريخ حرب التحرير الوطنية. وأضاف «يجب أن نكف عن كتابة الذاكرة التي تعتمد على سرد الأحداث من قبل من عايشوا الثورة، والانتقال إلى كتابة التاريخ».
وبعد أن ذكر بدوافع القانون، ودور قدماء «الجزائر الفرنسية» من الأقدام السوداء الذين يحنون دائما إلى عهد الاستعمار، أشار إلى أن هذه لمحاولات «تواجه مشكل تناقض رؤى الشعبين بخصوص الماضي الاستعماري لفرنسا» .
وأكد أنه «في الوقت الذي أبدى فيه الرأي العام الجزائري استياءه العميق إزاء قانون محتوى القانون أثبتت استطلاعات الرأي أن 60 في المئة من الفرنسيين يؤيدونه» وتحدث مانسيرون عن التعبئة الكبيرة حول هذه المسألة في أوساط المفكرين والطبقة السياسية بفرنسا التي أدت حسبه إلى إقناع الرئيس جاك شيراك بالمطالبة بإلغاء المادة الرابعة التي كانت محل تنديد».
ودعا المحاضر فرنسا إلى التعامل بصفة إيجابية مع النظرة النقدية لماضيها الاستعماري»، حتى يتسنى لها حل مشكلاتها الداخلية مع الفرنسيين المنحدرين من مستعمراتها القديمة.
ومن جهته تناول المؤرخ الجزائري دحو جربال مسألة «النقاط الغامضة» في الذاكرة الجماعية الفرنسية ، وتوقف عند وجود «صمت رهيب» حول جزء من هذه الذاكرة مقارنة بالتاريخ الاستعماري الفرنسي.
الجزائر ـ البيان
