ـ 1 ـ

عمر الفنانين الشعبيين الحقيقيين والأصيلين: انتظار لا يمل، وحنين دائم للسفر والترحال في عقول وقلوب الناس. واقعيون ويسكنون الصدفة، ولأنهم كذلك، فهم حالمون دائماً بإرضاء الناس، كل الناس، وعازفون عن دخول دائرة الضوء الانتقائية، وعالم المثقفين المغلف بالادعاء وأمراض الأنا الخبيثة القاتلة.

تلازم الفنانين الشعبيين حساسية عالية، لا تحتمل المس، ولا يمكن تقليدها، وتأنف عن دخول حلبات المزايدة الفنية، ذلك لأنها أوهى من أن تحتمل مناخاً لا تتنفس فيه الأصالة، لا يرصعه الصدق المتوج بقناعات مطلقة بقيمة ما ينداح عنها من فنون هدفها الأساس، خدمة الحياة وتجميلها.

ـ 2 ـ

هم شعبيون حتى العظم. تناسخوا في جراح الشعب، في همه وأحلامه، العريضة كجراحه. ولأنهم كذلك، ولأنهم فنانون، وحرفيون ماهرون، فهم يشكلون امتيازاً في حياة الجماهير الشعبية، تحمله أسر معينة، تتناقله بالوراثة، بما يشبه النذر المقدس.

مثل هؤلاء لا يعرفون كيف يزايدون، لأنهم انتماء طبيعي: للهم الشعبي، والفرح الشعبي. انتماء غير قابل على التلون. من أجل هذا تأتي أعمالهم أصيلة، نقية، عفوية، صادقة وجميلة. وبقدر ما تضرب هذه الأعمال في الماضي البعيد والقريب، تضرب في الحاضر والآتي. هم بذلك أشبه ما يكونون بمتحف الأمة الحي!!

ـ 3 ـ

الحكاية الشعبية واضحة، وصريحة. خلفها تكمن روح الشعب، إرادته، جراحه، وآماله العريضة كجراحه.البطل في هذه الحكاية حقيقي، مواقفه حاسمة، وقتاله تحت الشمس في وضح النهار. هو لا يخون ولا يغدر، والثقة به لا حدود لها.

الفنان الشعبي متلبس أبداً ودائماً بحساسية مفرطة. يقف خارج مسار القواعد والنظم الفنية. يمارس ابداعه وفي ذهنه صور أبطاله الذين لا ينهزمون أبداً. وصور زبائنه الذين ينتظرون منه تجسيد البطولة في رسوم وأشكال واضحة، مقروءة ومعبرة.

ـ 4 ـ

يد الفنان الشعبي، ترسم، وتلون، وتخط، وترصف، وتحفر، وتنقش، وتنحت، وتجمع بسلاسة، وعذوبة، وقناعة، وايمان، ومران طويل، وخبرة متوارثة، وثقة لا حدود لها، بقيمة وأهمية ما تقوم به، مدفوعة بتماهي صاحبها بالموضوع المعالج، وايمانه المطلق، بأن ما يقوم به هو نوع من العبادة، من أجل هذا، يتطهر مجهزاً طقساً خاصاً لدخول ملكوت فنه الذي يجب ان يخرج نقياً صافياً، كروحه العاشقة، المحبة، المتعبدة.

ـ 5 ـ

من اجل هذا يعتبر الفن الشعبي الحقيقي والأصيل مرآة تعكس حالة الشعب آن انتاجه: اجتماعياً، وسياسياً، واقتصادياً، وثقافياً، وهو تأريخ موثق وموضوعي لهذه الحالة، كونه موضوعاً من قبل مواهب حقيقية لا تهادن، وأحاسيس نقية صادقة، وقناعات تصل حد المطلق بإيمانها بما تنتج.

قد تقود الحاجة اليومية هذا الفن، وقد يقودها هو في آحايين أخرى، لان ثمة تداخلا يصل حد التماهي بين القيمة الجمالية والقيمة الاستعمالية، في هذه الفنون والمشغولات العريقة المعمدة بالحياة شكلا ومضموناً.

ـ 6 ـ

يضوع من الفن الشعبي عبق البوادي، ورطوبة البحار والغابات، يقرأ فيه حكايا السهول والجبال المتنزهة بين الواقع والأسطورة، والملموس والخيال الذي يتحايل فيه وبه الانسان على قسوة الواقع،

وحرائق اليأس، وجبروت المستحيل، خالقاً أكثر من مبرر وسبب للاستمرار في العيش.. في الحياة، والفن عموماً، والفن الشعبي خصوصا، في مقدمة الأشياء التي تمنح الانسان هذه المبررات والأسباب!

ـ 7 ـ

الفن الشعبي وعاء الحياة الشعبية، والحياة الشعبية وعاء التراث الحي، وهذا ما يجعلها أشبه بالمتحف الطازج الحاضن للخبرات المتراكمة المتماهية بالتلقائية التي يجب ان تلازم الفن،

كونها هي التي توفر له الفرص، للانفلات من إسار القوانين الجمالية الصارمة، وفلسفات الفن الجافة، والتجمع بطفولية مفعمة بالفرح، فوق مساحات مختلفة: قد تكون قماشاً، أو بلوراً، أو جداراً، وقد تكون صدور الرجال العاشقين!