ما بين ذهنية التكفير والتحريم وذهنية التفكير والحوار صراع دام ذهب ضحيته الكثير من أعلام الفكر والأدب والفن منذ فجر التاريخ وحتى يومنا، وهو الصراع الذي كان محور الأحداث التي دارت حولها تفاصيل مسرحية «السهروردي الشهيد» التي تُقدم حالياً على مسرح الحمراء بدمشق ضمن عروض المسرح القومي، عن نص عبد الفتاح رواس قلعة جي، سيناريو وإخراج غسان جباعي.

وقبل الولوج في التفاصيل نستذكر أن شهاب الدين أبو الفتح يحيى السهروردي (549 ـ 587هـ 1154 ـ 1191م) وُلد في سهرورد شمال غرب بلاد فارس، طلب العلم مبكراً في أصفهان، ثم في ديار بكر، بعدها غادر إلى بلاد الشام، واستقر في حلب، وهي في إمرة الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين الأيوبي،

وهناك كتب أهم أعماله: «حكمة الإشراق»، «كتاب اللمحات»، «كتاب التلويحات»، «كتاب المقاومات» و»كتاب المطارحات» إلى عشرات الكتب الثانوية والرسائل، ويُعتبر السهروردي مؤسس نظرية الإشراق في الفكر الإسلامي، وهو القائل في كتابه «هياكل النور»: «يا قيوم، أيِّدنا بالنور، وثبِّتنا على النور،

واحشرنا إلى النور» والقائل أيضا «أبداً تحنُّ إليكم الأرواحُ / ووصالُكم ريحانُها والرَّاحُ»، وقد اختلف أهل حلب وعلماؤها في فهم وتأويل أفكار السهروردي فمنهم من نعته بالزندقة والإلحاد، ومنهم من نعته بالتُقى والصلاح، وانتهى الأمر بأن أفتى العلماء بإباحة دمه، فسجنه الملك الظاهر، وقضى في سجنه بقلعة حلب.

وبالعودة إلى تفاصيل العرض فإن النص قد توقف عند المرحلة الأهم من حياة السهروردي (مروان أبو شاهين) المحطات الأخيرة التي قضاها في حلب، والتي شهدت: اكتمال فلسفته الإشراقية، غزارة إنتاجه، جدله مع أقرانه من العلماء، علاقته الوطيدة مع الملك الظاهر غازي (سيف أبو سعد) ثم انقلاب الملك عليه تحت ضغط الفتاوى والوشايات، فالمحاكمة الصورية،

وتتقدم هذه المحطات عبر مشاهد منفصلة، تحتفظ بتسلسلها الزمني، وتنتقل ما بين مجلس علماء حلب وقصر الملك ومنزل السهروردي ثم وساحة الحكم، ويقطع المشاهد بين الحين والآخر شخص الراوي، كي يوضح بعض الملابسات، أو يلقي ببعض أسئلته وملاحظاته على الجمهور،

وقد أوجد الجباعي العديد من الحلول الإخراجية الموفقة لإعطاء صورة واضحة ليس فقط عن حياة السهروردي الغامضة، وإنما أيضا عن أفكاره وشعره وطبيعة الفنون والنزاعات المذهبية التي وسمت عصره، وأول تلك الحلول شخصية الراوي بالزي المعاصر (زيناتي قدسية) ذلك الشاهد الحي على تزوير التاريخ

واضطهاد الفكر، الذي دمج في حديثه ما بين الراهن والماضي مستعينا بأبيات محمود درويش وإياد شاهين، والذي افتتح العرض بالتعريف بحياة السهروردي، وأنهاه بالأسف على مقتله الغامض إثر محاكمة غريبة لم يرد ذكرها إلا في كتاب واحد من الكتب القديمة.

ثاني تلك الحلول الإخراجية الموفقة كانت الخلفية الغنائية التي لحنها أيمن زرقان، والتي رافقت بعض المشاهد، وقامت على أبيات السهروردي، لتكشف العذوبة الشعرية التي كانت تتمتع بها قصائده، أيضا إدخال رقص السماح وعرض خيال الظل (قصي قدسية ونضال صواف) في إحدى حفلات البلاط،

والتعريف بأنه كان فناً سائداً ومؤثراً في بلاد الشام، أعجب به صلاح الدين الأيوبي وابنه الظاهر، كذلك الديكور المتحرك الذي صممه زهير العربي على شكل قلعة قابلة للدوران والتحوّل إلى عدة أماكن تارة إلى قصر وتارة إلى منزل وأخرى إلى مجلس علماء حلب،

هذا بالإضافة إلى تلك اللمسة الشعرية التي تجلت لدى المخرج في تركيب عناصر عرضه كلها، والتي تُعتبر جديدة على تجربته التي غالبا ما تميزت بالواقعية الفجة عبر عروضه الثلاثة السابقة.

ضم العرض إليه إحدى وعشرين شخصية من الشخصيات الرئيسية والثانوية، فبالإضافة إلى الممثلين المذكورين أعلاه، هناك مجمع علماء حلب: الرئيس تاج الدين (عبدالرحمن أبو قاسم) المتعاطف مع السهروردي، وولده أحمد (سمير حانون) أحد مريديه ممن دونوا كتاباته، وهناك زين الدين بن جهبل (يوسف المقبل) الذي كفّر السهروردي،

وكذلك القاضي الفاضل (عدنان عبد الجليل) الذي لعب أيضا دور الأمير عماد الدين، ثم الملكة (فدوى سليمان) وعمر جباعي في دور الحاجب وهاشم علي في دور مجد الدين بن جهبل، وإذا كانت عناصر العرض وحلوله الإخراجية هي التي رسمت صورة المفكر وعصره، فإن الأداء التمثيلي هو الذي نفخ الروح في تلك الصورة، وجعلها تقترب من الجمهور،

وتلقي بإسقاطاتها المعاصرة عليه، لتتحول مأساة رجل الإشراق، المتصوف، الزاهد، العابد في محراب النور والمعرفة، الذي قتلته ذهنية التكفير، وهو لما يزل في الثامنة والثلاثين، لتتحول مأساته إلى صورة عصرنا الراهن الذي بدأ بوله الحوار وانتهى بآفة القتل والتحريم.

دمشق ـ تهامة الجندي