أرادها غاليري المجلس في دبي أن تكون أكثر من زيارة عابرة، لواحد من كبار الفنانين في مجال الرسم المائي، وأن يتحول معرضه الى حدث ثقافي، يتقاطع مع الجهود المعروفة لهذا الغاليري الذي يعتبر من أقدم وأبرز صالات عرض الفنون الخاصة في دبي،

ومن هنا كانت الفكرة بالإعلان عن مسابقة فنية كبيرة في مجال الرسوم المائية للهواة والمحترفين المقيمين في الدولة، يكون صاحب الكلمة الفصل في نتائجها الفنان البريطاني جون هيرس، الذي يستضيفه المجلس هو ومجموعة من أعماله المنتقاة، من رحلاته التي قام بها مؤخرا في بعض مناطق الخليج والسهول الافريقية وصولاً الى النيل وصعيد مصر.

يعتبر جون هيرس في الوقت الراهن من الأسماء المعروفة حول العالم وتحديدا في مجال الرسم المائي الذي التزمه منذ سنوات بعيدة تعود الى منتصف القرن الماضي، حيث خاض في غمار اللوحة المائية مجموعة من التجارب، وشهدت على يديه باعتراف الكثير من النقاد والدراسات التي كتبت عنه تطورات،

من خلال القيم التجريبية التي كان يقترحها بين الحين والآخر في مجال آلية التعاطي مع هذا الاتجاه الفني المعروف بصعوبته، وخصوصياته، وحساسيته العالية، وإن كان هيرس عالقاً في سحر الطبيعة والمشهديات الجمالية التي يستمدها من جولاته حول العالم، إلا أنه في الوقت نفسه لا يتوقف عن انجاز لوحات يعتبرها هو خاصة بالتجريب وليس بالعرض،

حيث قدم في هذا السياق مجموعة من المعارض الخاصة التي كان يتوجه فيها للمتخصصين والمحترفين وليس للجمهور العادي، وفي هذه المعارض التي ينتقل بها بين العواصم الفنية الكبيرة كنيويورك، وباريس، تتحول اللوحة من مجال لتجسيد الجماليات التي يمكن للعمل المائي الوصول إليها عبر حساسيته الخاصة، وإنما تصير اللوحة عبارة عن رموز وتعبيرات، واجتهادات،

أو كما يسميها هو اقتراحات، ونقاط حوار وسجال، وكل ذلك نابع من شعوره بأن هذا النوع الفني يعاني من إهمال الفنانين والمحترفات حول العالم، باعتبار أن المائيات قد تكون اعجز عن إمكانية تجسيد الكثير من المناخات التعبيرية في اللوحة، ومن هنا فإن ما يسميه هيرس اقتراحات لا تتوقف عن تقديم أعمال ونماذج،

بل تتضمن مجموعة من الوصفات التي يبتكرها في عملية الوصول الى اللون المائي الخاص، أو ما يشبه ابتداع تركيبات كيميائية، ومواد جديدة يقوم على صناعتها هو شخصياً من عناصر الطبيعة « النباتات، أغصان الأشجار، الأزهار» وغيرها من المواد، وكل ذلك في سياق الوصل الى مبتغاه في لوحة مائية راسخة ومستمرة في مواجهة كل التحديات التي تعيشها.

قد لا تكون الاعمال الموجودة في معرضه تعكس تلك القيم التجريبية التي اشرنا إليها، لكنها تعكس جملة من المضامين والمعاني التي تتميز فيها لوحة هذا الفنان، وخاصة في قدرته الكبيرة على صنع مشهديات مبهرة بذلك الصفاء والوضوح، والدقة المتناهية في التقاط مفردات العمل الذي يجسده، هي واقعية صرفة لكنها بنفس الوقت رهان صعب على مدى إمكانية اللوحة المائية أن تكون مرآة عاكسة،

خاصة وأن لوحته لا تتجه الى زوايا بصرية ضيقة بقدر ما تمتد الى مشهديات متسعة وكبيرة مليئة بالتفاصيل الصغيرة التي لا يهمل منها أي شي، فمثلا في لوحة «وادي حام» الذي يلتقطه في خلال فترة هطول الأمطار، وجريان المياه في الاقنية والاخاديد الترابية،

وفي هذه اللوحة لا يتوقف هريس عند المناخ العام لوضع الوادي بل يدخل في تجسيدات لعلاقة التراب الموحل مع مساقط الضوء، النباتات الصغيرة المبللة والموحلة، الماء وحركته العنيفة في بعض المواقع والهادئة في مواقع اخرى، بمعنى انه يُقحم اللوحة في أجواء تشريحية أكثر من كونها مساحة توصيفية، للشكل والموضوع بصورته العامة.

تتنوع أعمال جون هيرس في هذا المعرض بحسب المناخات الجغرافية للعمل، لكنها بصورتها العامة تمثل حصيلة جولات هذا الفنان في مناطق متعددة من الشرق الأوسط وافريقيا، وهي عبارة عن التقاطات متنوعة للطبيعة في تلك المناطق، والكثير من المميزات والتفاصيل الخاصة التي تمنحها هويتها المختلفة عن الاخرى،

لكنه وفي جميع هذه الاعمال نجده يتحاشى العنصر البشري، مكتفيا بالأماكن المنعزلة النائية، حيث قوة الطبيعة تفرض نفسها، وتخدم بالوقت نفسه ذلك الصفاء والسكون الذي ينبعث من الأعمال التي وان كانت تتمحور في مجال التصوير إلا أن هيرس يغلف هذه الأعمال ببعض الطبقاء والأجواء التي تخرجها من دائرة الالتقاط الفوتوغرافي للمشهد،

حيث نجده وفق كل هذا الانسجام والتوازنات، يخرج ببضع ضربات انفعالية من سطوة الرتابة، لكنه لايخرج عن كونه متماهيا مع مواضيعه الى أقصى درجة ممكنة ويبنيها وفق الكثير من الدراسات، للشكل والظل والنور والتدرجات اللونية وغيرها من العناصر الاحترافية والمدرسية.

وبصورة عامة فإن هذا المعرض فرصة للتعرف عن قرب على تجربة اسم فني مهم، وفي الوقت نفسه مناسبة لهواة الرسم، في الاستفادة من خبرة هذا الفنان، والدخول في مسابقة سيكون هو حكمها، ويتوقع ان تعلن نتائج هذه المسابقة آخر الشهر الجاري حيث ستعرض الأعمال الفائزة وغيرها في رويال ميراج دبي.

حازم سليمان