مر الادب الياباني بعدة مراحل، من أدب القرون الوسطى (13 ـ 16) الذي تأثر بدخول الديانة البوذية والحروب الأهلية التي أفرزت طبقة المحاربين الساموراي، إلى مرحلة بدايات الحداثة في الأدب (17 ـ 19).

نشأ هذا الأدب خلال عهد توكوغاوا أو إيدو الذي ساد فيه السلام وازدهرت أوضاع الطبقة الوسطى العاملة بصورة ملموسة سواء في اليابان بصورة عامة أو في طوكيو بصورة خاصة، مما ساهم في تطور الدراما ونشوء أنواع عديدة منها.

ونصل بعد ذلك إلى مرحلة الميجي والتاشيبو (نهاية القرن التاسع عشر وحرب العالمية الثانية)، وتؤرخ هذه الفترة بداية عهد الانفتاح على الحضارة الغربية والنهضة الصناعية السريعة. وكما تأثر الشعراء بالأدب الأوروبي كذلك الأمر بالنسبة لكتاب الرواية حيث ظهر نمط جديد منها، يعتمد فيه السرد على ضمير المتكلم (أنا) أو (رواية الأنا).

وقد شهدت حرب اليابان شهرة عدد من المؤلفين الذين عرفوا بجمال لغتهم وقصصهم العاطفية، وأهمهم تانيزاكي جونيشيرو، وهو أول ياباني يفوز بجائزة نوبل للآداب.

أما مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، فقد تأثر الأدب بهزيمة اليابان وانعكس بصورة مؤثرة في المواضيع التي تناولها الأدباء، مثل ضياع الهدف وفقدان الهوية وكيفية مواجهة الهزيمة.

أرخت هذه المرحلة ظهور نخبة من الكتاب تجاوزت نفسها في الإبداع ومن أشهرهم كوبو آبي، الذي أستأثر باهتمام الغرب من خلال روايته «امرأة في الرمال» التي حولت فيما بعد إلى فيلم سينمائي، وكذلك فوروي يوشيكيشي وتودو شيزوكو، موراكامي هوراكي ولا ننسى الكاتب إيشيغورو كازو الذي استقر في بريطانيا وحاز على جائزة بوكر.

أما فن الأدب الشائع ويشمل الأدب الخيالي والواقعي وأدب الأطفال، فقد بدأ بالازدهار في اليابان في عام 1980. والعديد من الأعمال كانت تتراوح ما بين الأدب الأصيل أو الروايات الشعبية التي إما تتناول حقبة من التاريخ أو الخيال العلمي، أو الغموض والجريمة، أو عالم المال والاستثمار أو حرب الصحافة أو حكايات من عالم الحيوان.

ونتناول في عرضنا هذا الرواية اليابانية في عالم المال والاستثمار التي حققت رواجاً كبيراً في اليابان وخارجها. اشتهر هذا الصنف في اليابان منذ عام 1950، ويصور المواقف والأزمات المالية التي يواجهها الموظفون من أصحاب البدلات الرسمية في حياتهم اليومية إلى جانب الاستنزاف الذي يتعرضون له، ليصطدموا في النهاية بحقيقة واقع الفساد المحيط بهم.

ومعظم روايات هذا النوع الأدبي تتناول المؤسسات المالية، والقليل منها ترجم إلى الانجليزية. وبصورة عامة فقد جذبت هذه الروايات غير المترجمة اهتمام الغرب، وللصدى الكبير الذي تركته لدى شعبها. ومن أشهر كتاب هذه الرواية لدينا:

مين كوهدا كانت مين كوهدا في الأصل إحدى سماسرة الأسهم، حيث عملت لصالح بنك إلينوا كونتيننتال ناشيونال وبانكرز ترست في طوكيو حتى تركت عملها عام 1988 لتؤسس شركة استشارية، لتصبح بعد ذلك روائية.

ومما كرس شهرتها أن روايتها الأولى (قرصنة المال) نشرت وبتوقيت استثنائي قبل اسبوعين فقط من حادثة إلقاء القبض على تاجر الأسهم توشيهيدي إيغوشي في نيويورك عام 1995، الذي كان يعمل في بنك دايوا، وذلك بسبب تستره ومحاولة إخفاء خسائر تقدر بقيمة 1,1 مليار دولار.

وتدور أحداث الرواية حول ثلاثة يابانيين، يحاولون اختراق نظام كمبيوتر بنك أميركي كبير بهدف سرقة ملايين الدولارات. وبعد دخولهم النظام يكتشفون تحايل مالي قام به بنك ياباني كبير بهدف تغطية خسائرة الضخمة في التجارة.

وكما تزامنت رواياتها اللاحقة مع أحداث الواقع أيضا مثل رواية (الجرح) عام 1998، و(مستندات الحكومة) عام 2001، كذلك الأمر مع كتابها الأخير الذي حقق نجاحا مباشرا فور صدوره.

ويدور موضوع عملها حول مجموعة من تجار الأسهم تختلق أزمة مالية لتعويم أسهم الحكومة التي تعادل قيمتها 4,1 تريليون ين، والغاية من ذلك هو الضغط على الحكومة لإعادة النظر في بنية أسهمها.

ريو تاكاسوغي

ومن أهم رواياته (بنك اليابان الصناعي) التي اعتمد في كتابتها على مراجع عن عالم المصارف، والسلطة الداخلية، ودور البنوك. وباتت روايته هذه مرجعا دراسيا له قيمته.

واستناداً على رواية أخرى له قدم الفيلم السينمائي جوباكو «لعنة الأسهم» الذي استقطب اهتمام العالم. وفي روايته «جغرافية الفساد المالي»، يتم القبض على رجل العصابة سوكايا، الذي يكشف اتصالات ما بين بنك أساهي المركزي وياكوزا وهي عصابة تعادل المافيا في الغرب.

وتبدأ الرواية حينما يقرر أربعة من ذوي الدخل المتوسط التحقيق في دفعات غير قانونية صنفت بطريقة غامضة من قبل جماعة تحاول إخفاء أمر ما.

وعلى الرغم من تزامن روايته مع الفضيحة المالية عام 1997 حيث تورطت بعض البنوك في تقديم قروض لبعض المشبوهين، فإن ريو يصرح بشأن ذلك في مقابلة صحافية مع جابان تايمز في يوليو من ذات العام، بأن صدور روايته «جغرافية الفساد المالي» بالتزامن مع فضيحة شركة سوكايا والقبض على رئيس شركة نامورا للأمن، مجرد مصادفة.

وفي ذات الوقت بين بأنه اعتمد في بناء عمله على مقابلات أجراها مع العديد من الناس الذين تعاملوا مع المشبوهين في عالم المال والمصارف.

ومن الكتاب الآخرين الذين حققوا شهرة أيضا في هذا العالم الروائي، نذكر إيجي أوشيتا وإيكو شيميزو وسابورو شيروياما وأكيميتسو تاكاجي وغيرهم الكثير.

وربما ترجمة بعض هذه الروايات العربية، سيساهم بلا شك في الارتقاء بمعرفة شريحة واسعة من العرب المهتمين والعاملين في عالم المال والأسهم لاسيما في المرحلة الراهنة.

رشا المالح