منذ عام 2000 قرر التشكيلي والسينمائي الأميركي كوربت كريتس الانقلاب على نفسه فنياً، بمعنى الخروج من حيز الجماليات الكلاسيكية في العمل التشكيلي نحو ما يعتقده هو، نقل اللوحة من كونها ردة فعل بصري، إلى مساحة فاعلة ومباغتة وصدامية إلى حد كبير.

ولذلك نجد أن تجاربه الأخيرة والتي تنقلت بين العديد من المراكز الفنية العالمية بدءاً من هوليوود التي كان يعيش ويعمل فيها في مجال تصميم الرسوم المتحركة، مساهماً في عدد كبير من الأفلام التي نالت قدراً كبيراً من الانتشار العالمي.

وصولاً إلى مركز دبي العالمي للفنون الذي يحتفي بأعمال هذه الفنان عبر معرض يتضمن مجموعة كبيرة من أعماله، التي تمثل خليطاً أو نتيجة لعملية بحثية طويلة قام بها الفنان لإيجاد نتائج يمكن الخروج بها بين اللقطة السينمائية السريعة، وفن الفيديو آرت، واللوحة المحمولة.

كوربت كريتس لا يقدم لوحة تصلح كثيراً للفرجة الجماهيرية، بقدر ما يحاول الوصول إلى عمل فني ما، قد يكون نتيجة، أو خليطاً، وربما وليداً مشوهاً، لمفهوم الاختلاط غير المجانس بين عدة أجناس فنية لا توجد بينها نقاط التقاء بالمعنى العملي للموضوع، لكنه يصر على هذه اللعبة التي أفرزت له تلك الأعمال المفاجئة.

والتي تتطلب الكثير من الجهد للتآلف معها، خاصة وانها تتجاهل أدنى ارتباط بين حقيقة الموضوع في الواقع وشكله الجديد في اللوحة، رغم أنه يحاول إيجاد ذلك الارتباط عبر مجموعة من العناوين الموضوعية.

لكنه بالوقت نفسه لا يعنى بهذا الارتباط لأنه يسعى لإيجاد ملامح جديدة للعمل والفكرة، ورؤية مبتكرة تشبه في كثير من الأحيان النظرة الميكرسكوبية والمجهرية، حتى أنه يخال للناظر أنه يرى كائنات غير مرئية.

وبالوقت نفسه يقع تحت سطوة الحيرة المتأتية من عناوين الأعمال فهو ينتقل بإمكانية التصالح مع الفكرة الميكروسكوبية تلك، إلى واقعية صرفة خاصة حين يقدم مثل هذه العناوين «الأم وأبناؤها، الفايكينج، أداة غطس، عيون، التنفس تحت الماء».

مؤكداً أن ثمة ما هو أهم بكثير، على الأقل من وجهة نظر الفنان، الذي يبذل الكثير من الجهد للانتقال في أعمال نمطية الطرح، إلى ما يمكن القول تحليل الموضوع إلى عناصره الأولى، إلى البداية البدائية، والى ماقبل تكون الملامح، هي أشبه بلحظات هلامية متقدة فيها الكثير من حيوية الخلق والتكون.

غير أن كوربت كريتس لا يترك هذه الأعمال مفتوحة على ما يمكن أن تقودنا إليه انفعالاتنا العاطفية من أفكار وتحليلات حيث يقول «إن أعماله تشبه إلى حد كبير لعبة التنقل السريع جداً بين اللقطات البصرية، انها تلك اللحظة غير الواقعية بين اللقطة والأخرى.

وهي مسافة زمنية على درجة كبيرة من الحساسية، وهناك لطالما شعرت ان ثمة حقيقة ماثلة، لا يلتفت إليها أحد، لكن عملي الطويل في مجال صناعة الافلام جعلتني اتجه نحوها، لطالما كنت أشعر بوجود ذلك الفراغ الذي ليس للعين البشرية القدرة على التقاطه.

وها أنا احاول تثبيت هذه اللحظة، اقتناصها، وفق معادلات وحسابات دقيقة جداً، مستفيداً مما يمكن أن تقدمه الأجهزة الحديثة في عملية المونتاج التلفزيوني والسينمائي».

من هنا يمكننا القول إن قيمة هذه الأعمال تتأتى من المبادرة التي يقوم بها هذا الفنان لإنتاج مشهدية بصرية جديدة كلياً من ناحية الشكل، وهو بالوقت نفسه يعطي هذه التكوينات الغريبة قوة لونية مبهرة ، وفيها الكثير من الجماليات عميقة الأثر، ألوان يجيد كريتس استخدامها بما يوجد حالة من الاتصال البصري.

والعلاقة الوثيقة بين العين وبين تفاصيل العمل، الذي يأخذ في الغالب شكل الدائرة، والمنحنيات، دوائر تتوالد من بعضها البعض، وتنبني على جملة من العلاقات والتقاطعات الصارمة وغير الهندسية بالوقت نفسه.

في هذا المعرض ليس لنا عزل لوحة عن الاخرى، أو النظر إلى التجارب كل واحدة على حدة، فثمة علاقة وثيقة جداً بين هذه التجارب، علاقة عضوية، تشبه كثيرا عملية تحريك الرسوم المتحركة، بحيث تقودنا تلك الفروقات الصغيرة إضافة إلى سرعة تحريك الصورة الكاملة.

ومن هنا فإن مجموع اعمال المعرض يمكنها أن تكون حالة من تشظية الصورة الواحدة، وتفتيتها إلى أكثر من شكل ومنظر، لكنها بصورة عامة تظل مرتبطة بعضها البعض، وقد تفقد الكثير من قيمتها بعد محاولة عزلها، وإقصائها عن بعضها البعض.

مركز دبي العالمي للفنون الذي يحتفي بأعمال هذا الفنان، يحاول أن يقدم لنا حالة فنية جديدة، ضمن مجموعة المعارض المتميزة التي استضافها على مدى الأشهر المنصرمة.

وهذا المعرض بأعماله ومجموعة الافكار التي يحاول طرحها يمثل مناسبة لرؤية ملامح جيدة، وتجرية من التجارب الفنية التي تحاول طرح نفسها وفق سياقات تعبيرات قد لا تكون مألوفة بالنسبة لنا، لكنها تستفيد من ممكنات التجريب والبحث والمغامرة.

حازم سليمان