في مسيرتها الفنية الطويلة عدد كبير من المعارض والمشاركات التي جابت بها الكثير من دول العالم، الى جانب مجموعة من الجوائز التي حصلت عليها من مؤسسات فنية كبيرة، أو فازت بها في المسابقات التي تهوى المشاركة بها، لأنها تعتبر المسابقات وسيلة لاختبار المقدرات الخاصة، بغض النظر عن إدراكها المسبق عدم إمكانية تحييد هذه المسابقات، وخاصة إن كانت في مجال التصوير الفوتوغرافي، هذا الفن الذي يوثق، وقد يكون راصدا لحقائق غير مرغوب فيها.
ليليان داندروس مصورة فوتوغرافية ارتحلت في ارجاء الخليج العربي لسنوات عديدة بعد جولاتها المتنوعة في الكثير من دول العالم، وفي هذه الجولة الخليجية استوقفها الكثير من المشاهدات والوقائع التي تناقض تماماً جملة من المعتقدات السائدة حول العالم حول هذه المنطقة، وخاصة فيما يتعلق بواقع وظروف المرأة في هذا الخليج، الذي وإن كانت الاحصائيات والمعلومات التي اطلعت عليها ليليان بحسب قولها، تؤكد أنها غير متمتعة بحقوقها الكاملة، وأن حضورها وخاصة على المستوى الاقتصادي لم تظهر معالمه إلا في السنوات الاخيرة، هذا حسب وجهة النظر الغربية، لكن الوقائع التي شاهدتها ولمستها بنفسها تؤكد أن المرأة في مناطق عديدة من الخليج، لعبت دوراً على درجة كبيرة من الأهمية في العجلة الاقتصادية، وخاصة في أزمنة ما قبل الطفرة النفطية التي قلبت بدورها الكثير من الحقائق، وساهمت بشكل أو بآخر في انحسار هذا الدور، نظراً لتغير اسلوب الحياة، أساليب اكتساب المال، من حالته الفطرية القائمة على الانتاج الحرفي، إلى ظاهرة المؤسسات والشركات التي تطلب الشهادات، ولذلك كانت عل المرأة وهي في العموم غير متعلمة بالدرجة الكافية، أن تنتظر لسنوات عديدة قبل أن يعود دورها للظهور كما هو الحال اليوم.
من هذه النقطة انطلقت المصورة الفوتوغرافية ليليان داندروس في مشروعها البحثي الذي اختارت له سلطنة عمان كنموذج يمكن تعميمه على المنطقة ، وأعطته عنوان «البراعة العمانية»،وهي براعة حاولت فيها هذه الفنانة اقتفاء جملة الأدوار التي لعبتها المرأة هناك في صلب الحياة اليومية والمساحة التي كانت تغطيها في تفاصيل هذه الحياة كشريك فاعل ومحوري في الانتاج، لكنها بالوقت نفسه اختارت فكرة البراعة وليس فقط العمل، بمعنى أنها ركزت على جملة المهن التي يختلط فيها الانتاج بمفهومه الاقتصادي.
إضافة الى الحرفة المتسمة بالكثير من النواحي الابداعية والجمالية،ومن هنا فإن تجارب هذه المصورة في معرضها الذي استضافه مجلس غاليري دبي تعبر عن رغبة هذه الفنانة في تقديم خطين متوازيين، أولهما الصورة الفنية بكل متطلباتها الحرفية، من زوايا الالتقاط، والتأسيس لمشهدية فنية في بنية الصورة، وثانيهما الموضوع الذي تبحث فيه وهو المرأة ، في علاقتها مع عالمها المهني، وكان التركيز على جملة المهن المعروفة في منطقة الخليج والذي برعت فيه المرأة وخاصة في مجال تصنيع السلال، والحياكة، والفخاريات، وغيرها من المهن التي تجتمع فيها صفتي الصنعة ذات المردود الاقتصادي، والخصوصية الفنية.
وبالرغم من أن مشروع أعمال هذه الفنانة يحمل الكثير من القيم التوثيقية، إلا أنه لا ينحصر في هذا الإطار بحيث تدخل الصورة في دائرة اللقطة الفوتوغرافية الصحافية، بمعنى أنها لا تتنازل عن القيمة الفنية في العمل، رغم انها تعتمد اساسا على عفوية اللقطة غير المُعد لها مسبقاً، الأمر الذي جعلها تقضي فترة طويلة في تقصي مفردات موضوعها ومعايشة شخصيات اعمالها منتظرة اللحظة المواتية والتي تتوفر فيها القيمة الفنية، التي تخولها إنتاج تجربة ابداعية بكل ما تعنيه هذه الكلمة، بحيث تتحول الأعمال في حالتها الكلية إلى وحدة متكاملة العناصر، لكل صورة قوتها الدافعة الخاصة والتي يمكنها أن تحقق وحدتها الابداعية بمفردها، أو أن تكون جزءا من المجموعة الفنية المتنوعة، التي تعكس صنوف الأعمال الحرفية واليدوية، وعلاقة المرأة بها، حيث أن الصورة لديها تراهن في عناصرها الداخلية على المكون البشري النسوي من ناحية الجسد والزي والمكان، وعلى المادة التي تصنعها المرأة ودور هذه المادة في آلية العجلة الاقتصادية التي كانت سائدة في وقت من الأوقات.
في أعمال ليليان داندروس محاولة واضحة للدمج بين تيمات عدة وعناصر تتجاوز مفهوم الجمال التقليدي للصورة الفوتوغرافية، بعد إخضاع الصورة لبعض الاضافات أو الإلغاءات ، بحيث تلغي المصورة المساحات المحيطة بالموضوع الرئيسي، بحيث تضيق زوايا الرؤيا والعناصر التي من شأنها تشتيت علاقة المتلقي بالموضوع المحوري، لكن بالصورة العامة لا تعتمد إظهار هذه الفنيات بمعناها الاستعراضي، بقدر ما تراهن على ابقاء الطابع العفوي والبسيط، الذي يشبه ويتداخل مع بساطة الموضع الذي تلتقطه، حيث النساء، اللاتي يعشن بكل تلقائية، وعفوية، ومع ما يمكن تسميته ما بقى من نساء الزمن الماضي البعيد.
حازم سليمان