مرآه يوحي بأنك لن تسمع صوته إلا في كتبه؛ تجلله هيبة محيرة؛ فهل تراها هيبة الشاعر أم شفافية الشعر! لا يصاحب حضوره صخب الأضواء ولا ضجيج الآراء، ومع ذلك تجده وسط حضور صاخب وضاج؛ رغم الهدوء الظاهر.

قامة حافظت على سعيها في سبيل مشروعها الإبداعي؛ في عصر توقفت فيه حركة المشاريع المهمة، وطغت أفكار الاستلاب بالاستهلاك. إنه الشاعر والروائي العربي إبراهيم نصر الله التقته «البيان». في هذا الحوار الصريح:

صار له مشروعه الإبداعي، وجزء منه المساهمة في مشروع الترجمة بين لغتين العربية والانجليزية والتي شارك فيها الشاعر نصر الله. ترى كيف هو المشروع وما هي إمكانية قيام المبدع بترجمة أعماله؟.

اعرف الانجليزية بصورة معقولة تساعدني على التخاطب أكثر مما تساعدني على الترجمة، وقد شاركت في مؤتمر لندن في مارس وهو استكمال لمؤتمر سابق عقده المركز الثقافي البريطاني في دمشق، بهدف الوصول إلى آليات ترجمة الأدب العربي إلى اللغة الانجليزية.

وترجمة الأدب الانجليزي إلى العربية، وأضاف: واضح أن هذا المهرجان أو المؤتمر طيب النيات إلى حد انه فعلا يريد أن يوجد آليات عمل على أرض الواقع؛ بعيدا عن الاجتماعات التي تتم عادة وتنسى؛ فكان مؤتمر لندن هو الخطوة التالية بعد مؤتمر دمشق؛ لنواصل المشاورة.

ووضع خطة عملية لربط الكاتب العربي بالناشر الانجليزي، ووكيل النشر الانجليزي، وإيجاد أرضية قابلة فعلا للتفعيل والإنتاج. وأنا متفائل جدا بهذا المؤتمر؛ لأن العمل عليه يتم بصورة جيدة وجادة، وأتوقع ان يحدث أثرا ما في مجال ترجمة أدبنا العربي إلى الانجليزية في السنوات المقبلة.

ـ بين السينما والتصوير والشعر والرواية تنوعت علاقاته اللغوية والإبداعية فإلى أين يمضي نصر الله؟

ـ بشكل أساسي سأبقى الشاعر والروائي؛ بمعنى؛ أن إطاري الأساس هو الكلمة؛ لكن هذه الكلمة لكي نعززها أكثر، ونغنيها علينا أن نرفدها بمجموعة من الروافد. هي أشبه ببحيرة يجب أن تصب فيها روافد متعددة حتى تبقى هذه البحيرة متجددة، ولا تجف، وأي بحيرة مهما كانت عظيمة إذا لم تكن هناك مصادر تصب فيها.

وجداول تغذيها فستجف في النهاية. بالنسبة لي الفنون بشكل عام، والرسم والتصوير؛ هي منافذ أخرى لرؤية العالم، وملاحظة التفاصيل، لتلمس اللون وإدراكه..

لرؤية ذلك المهمل؛ الذي عادة قد لا نراه، والتي أقول فيها دائما إنها أعطتني عينا ثالثة وبالتأكيد اختلف شعري وروايتي حين بدأت أمارس التصوير بشكل أساسي؛ أما بالنسبة للسينما فاني اعتقد انه أهم فن ينجز في العالم اليوم، وأي كاتب لا يمتلك السينما أرى انه مثل أي كاتب يعيش العصر العباسي.

وما لا استوعبه؛ أن يكون لديك هذا الكم من الفن الكبير؛ وان تدير ظهرك له؛ كما لو انك تعيش قبل أربعمائة سنة أو 500 أو ألف أو ألفي سنة. السينما تقدم لنا اقتراحات فنية وجمالية وإنسانية في موضوعاتها، في تناولها لهذه الموضوعات؛ اعتقد انه من العار أن أغمض عيني عن رؤية هذه الجماليات، وقد تركت في هذه السينما ومعايشتي لها أثرا عبر الكتابة.

أو عبر كوني مشاهدا فاعلا؛ فأنا بعيد عن المشاهد المستهلِك؛المشاهد المستهلك؛ يرى الفيلم وينساه؛ إنما أنا اعتبر نفسي مشاهدا منتجا؛ يرى ويستفيد ليعرف ويتعلم أشياء جديدة؛ يحضرني المشهد لأحاوره حين اكتب عنه، وهذه المسألة كلها تصب في عملي الكتابي؛ سواء كان شعراً أو رواية.

وإذا ما تذكرنا أن الثقافة اليوم هي بصرية؛ علينا ان ننقل البصر إلى الكتابة، والى اللغة حتى نجد علاقات، ويجد القارئ نفسه في ما يكتب من رواية ومن شعر.

ـ قلت: إن المنجز الثقافي العربي حقق في خمسين عاماً ما حققه آخرون في خمسمائة عام؛ فلم إذن تستمر معاناة المبدع العربي؟

ـ الجملة التي قلتها إن الشعر العربي بشكل أساسي خلال خمسين سنة استطاع ان يقدم اقتراحات جمالية، وان يحرق مراحل في التطور؛ اعتقد أنها لم تحدث في أي شعر في العالم إلى هذا الحد، أو ربما من أفضل النماذج التي تحققت في العالم حتى لا أطلق أحكاما استثنائية.

وفي الخمسين سنة هذه استطاع الشعر العربي أن يحقق ما لم يستطع تحقيقه الشعر العربي طوال 500 سنة من تاريخ الشعر العربي. المشكلة الأساسية الكتّاب لماذا لا يستطيع الكاتب أن يعيش من كتابته! لأن العالم العربي ليس عالما قارئا.

ولو كان عالما يقرأ؛ لكان باستطاعة الكاتب العربي أن يعيش من تجربته؛ الآن ليس هناك كاتب سواء كان شاعرا أو روائيا - مهما كان مشهورا- لن يستطيع مطلقا أن يستند على كتابته ليعيش، وهذا أمر محزن إذا ما قورن بأمم اقل عددا، من عدد سكان العالم العربي، ونحن نشتم إسرائيل..

لكن الإسرائيليين الآن قلقون لأن الطبعة الأولى للكتب باتت عشرين ألف، وهم قلقون على مصير الكتاب فقط لأنه انخفض إلى عشرين ألف نسخة، ونحن في العالم العربي حين يصل إلى ثلاثة آلاف نقول إن الأمور جيدة، ولكنه بدا أيضا يتراجع لبعض الكتاب حتى يصل إلى ألف.

وربما في بعض الأحيان خمسمائة نسخة وقد لا توزع. ليس من السهولة أن يحقق الكاتب العربي هذا الانجاز بالعلاقة مع القارئ؛ يجب أن يكون له مشروع كبير؛ لكن مهما كان هذا المشروع كبيراً، ومهما بذل حياته لهذا المشروع - للأسف - لا يمكن أن يعيش من مردود كتبه.

ـ تسيطر على الحالة العربية اليوم مناداة بضرورة الحوار مع الآخر فأين أنت منها؟

ـ اعتقد أن هناك أكذوبة في المناداة بالحوار مع الآخر لأن الآخر (الغرب) يرفضنا تماما، ولا يريد أن يتحاور معنا، ولا يريد أن يفهمنا؛ حتى اليوم وبعد كل الذي حدث من مصائب على 11 سبتمبر لا يريد أن يفهم فعلا العقلية العربية، لا يريد أن يسمع للكاتب العربي الصادق، وهو يواصل ترويج ما يحمله عنا من أفكار.

ومعظم الروايات التي تترجم؛ تترجم لأسباب خاصة تؤكد فكرة الغربي عن صورتنا؛ لا يريدون أن يفهموا أننا بشر ولنا أحلامنا، ولنا تطورنا، وآخر شيء يسعى الغرب له؛ هو ان يعمم الديمقراطية في العالم العربي؛ لأنه لا يريد هذه الديمقراطية في العالم العربي، وطوال الخمسين سنة الماضية كان يحمي القمع العربي، ويصدر لنا القمع ويحميه.

ويصدر الهراوة ويصدر أساليب التعذيب؛ يصدر كل هذه المسائل للأسف. نحن نقول بالحوار مع الآخر، ونقبل بالحوار مع الآخر ونقبل الحوار مع الغرب، لكن هل الغرب قابل فعلاً أن يتحاور معنا كبشر، أم يريد أن يتحاور معنا كمستهلكين، أم يريد أن يتحاور مع المواد الخام الموجودة في أرضنا وهو بحاجة إليها؟!

ـ ألا ترى أن ما يقابل المناداة بالانفتاح على الآخر تشهد انعزال وانغلاق المبدع العربي على ذاته ؟

ـ اعتقد أن مشكلة المثقف العربي لها أكثر من جانب؛ فكثير من المثقفين العرب الذين بدؤوا؛ بدؤوا وهم يحملون مشاريع كبيرة ثم اكتشفوا أن هذه المشاريع لم تحقق الكثير، وأنهم لم يصلوا إلا إلى منتصف الدرب، أو إلى ربعه حتى.

وبالتالي كثير من المثقفين أحبطوا، وباتوا يرون أن صدور كتاب ليس له أي مردود ثقافي على المستوى العام، وله نتائج سلبية حتى إن البعض بدا يدفع ثمن طباعة كتبه، وهذه كارثة الكوارث.

كتاب موهوبون وصلوا إلى هذه النتيجة، ووصل بعضهم إلى درجة انه لم يحقق أكثر مما حققه، وبالتالي بات ينحسر وينغلق على نفسه. في سنوات النهوض؛ كانت هناك حركة ثقافية عربية تحتضن بعضها البعض؛ الآن الحركة الثقافية هي جزء.

وهي صورة مصغرة عن المجتمع العربي الذي بات الإنسان فيه ينغلق على نفسه قليلا.. قليلا؛ ليكتفي في النهاية بعالمه الصغير، وهذه أيضا مشكلة كبيرة. وما تبقى لنا أولئك الذين استطاعوا أن يحققوا عبر مشاريعهم اختراقات ما؛ باتجاه الوصول للقارئ العربي.

والإحساس بأنهم فاعلون في هذا المجتمع؛ هؤلاء الآن يواصلون، - وللأسف - هم أعداد قليلة جدا التي باتت و بدأت تحس أنها تحقق ذاتها عبر مشروعها الكتابي، وبدأت تحقق رؤاها عبر هذا المشروع؛ سوى ذلك؛ انغلق الكاتب العربي، ويئس، وأتحدث عن جيلي.

واعرف عشرات من جيلي كانوا كتابا رائعين؛ لكنهم الآن تحولوا إلى أرباب أسر، وهم مكتفون بهذا المحيط الضيق جدا لمطالب الأسرة، وهموم الأسرة؛ لأنهم وصلوا إلى الجدار الكبير الذي يحسون معه أنهم لن يستطيعوا تحقيق أكثر مما حققوا.

ـ وماذا عن الانفتاح على المدى الواسع؛ مقابل الانغلاق في الحيز الضيق؟

ـ ذلك لأن المجتمع العربي تراجع وبدأت ثقافة الاستلاب هي الرائجة، وعلى سبيل المثال (التلفزيون) فقد تزورين عائلات كثيرة في الغرب فتكتشفي أنهم لا يدخلون التلفزيون إلى بيوتهم مطلقا؛ لا تجدي هذا الجهاز في بيوتها بينما البيوت العربية؛ تجدي جهاز تلفزيون في كل غرفة أحيانا.

وبالتالي احتضنا وسائل الاستلاب التي أبعدت هذا المجتمع عن الثقافة الحقيقية، وفي محيط منعزل إلى هذا الحد! ويكتفي بشاشة التلفزيون عالما! لا يستطيع المثقف العربي أن يحقق الكثير؛ لأنه في النهاية فرد؛ تماما كما لا يمكن أن يطلب منه خوض معركة مع كل العالم بمفرده.

ـ أصبت العديد من الجوائز ولا شك أنها بمثابة روافع إضافية للمبدع.. أين وضعتك هذه الجوائز؟

ـ الجائزة بالتأكيد تكريم واعتراف بمسيرات، واعتراف بجهد بُذل لذلك أثرها المعنوي مهم؛ سواء كانت هذه الجائزة مادية أو كانت معنوية؛ لأنها إشارة إلى انك تحقق شيئا ما في مشروع الكتابة؛ بأن تضيف اقتراحات جديدة لما يكتب، وتشير إلى انك تحقق فاعلية إنسانية مع محيطك الذي أنت تعيش فيه؛ وأنا اعتقد أن كل تكريم هو مهم للكاتب.

ومهم لكل إنسان، وهي نوع من الاعتراف المهم الذي شخصيا اعتز به واقدره، وبالتأكيد ساعدني أكثر على ان أواصل لأنه اعتراف بفاعليتي أيضا؛ لكني بالطبع ضد ان يدلل الإنسان على نفسه أو يعرضها في السوق ليأخذ الجائزة؛ فالجائزة يجب أن تأتي بصورة محترمة.

وأي جائزة تحدث بطريقة غير لائقة اعتقد أن بها امتهانا لكرامة الكاتب؛ ففي الأخير أنت كتبت، ومن دون أن تسعى لهذه الجائزة، على الجائزة أن تأتي إليك وان تقدر بها؛ لكن حين تسعى إليها أو حين تبدأ بمقاتلة الدنيا للحصول عليها اعتقد أن الإنسان يخسر إنسانيته ككاتب، ويخسر الجوهر العميق للكتابة.

ـ قلت ذات مرة بأنك حين تكتب فكأنما تكتب لنفسك مما يعني الكتابة بحرية مطلقة ويعني غياب الرقيب!؟

ـ اعتقد أن كل ما كتبته لم يخضع لرقيب، ولم يكن للرقيب وجود بدليل أني منذ البدايات اصطدمت مع الرقيب كثيرا جدا، ودفعت ثمناً كبيراً جداً بسبب شعري، وبقيت ست سنوات ممنوعاً من السفر فقط لأسباب شعرية؛ ذلك لأني فعلا قتلت الرقيب، فحين يكون الرقيب معك يعني انك تكتب بنصف روحك أو بربعها.

ولا يمكن أن تكون الكتابة بنصف أو بربع الروح؛ ان أكتب يعني أن أكتب ما أحسه وما أفكر فيه كاملا، وإلا؛ فإن الكاتب سيكون وسيلة من وسائل تضليل المجتمع، والكتابة أيضا.

وهو يكتب لينير لا ليدخل الناس في العتمة، وليس ليضللها. ودائما أقول على الكاتب أن يقاتل الرقيب ويقتله في الضوء، وليس في الظلام، والكتابة هي الوسيلة لأن يقتله في الضوء بهذه الطريقة.

إبراهيم نصر الله شاعر وروائي.. بمعنى أنه صاحب «ديوانين»؛ حسب ما يعتبر البعض بأن الرواية اليوم هي ديوان العرب؛ كما كان الشعر، وعلى ضوء ما رآه في كولومبيا؛ يقول في ختام هذا الحوار:

نحن نقول إننا أمة الشعر؛ لكن لي تجربة من عدة أشهر في أميركا اللاتينية (كولومبيا تحديدا) فاكتشفت أن هناك أمة الشعر؛ حين يكون في افتتاح مهرجان خمسة آلاف إنسان، وفي الاختتام خمسة آلاف، ويقام في استاد، وحين تكون بعض الأمسيات في الجامعات يحضرها ثلاثة آلاف إنسان فإن هذه أمة تقرأ، وتحب الأدب، وتحب الشعر مع أنها تعاني اقتصاديا.

وتكابد أوضاعاً أسوأ من أوضاعنا؛ تعاني فقدانا للأمن أكثر منا بكثير، تعاني الفقر المرعب؛ لكن تطبع رواية لماركيز ـ الأخيرة ـ توزع الطبعة الأولى مليون نسخة؛ هذا غير النسخ المقرصنة والمسروقة.

حوار: فاطمة محمد الهديدي