تزخر مدينة أدرار بالجنوب الجزائري بموروث كبير من المخطوطات القديمة تشمل مختلف ضروب العلم والمعرفة كعلوم الدين والفقه وعلم اللغة والتاريخ والفلك والطب وغيرها.

وكانت أدرار، وهي مدينة صحراوية، في القديم معبراً لقوافل التجارة بين الساحل الغربي لإفريقيا وشرقها، وكانت لذلك ملتقى لمختلف الثقافات، فضلاً عن كونها نقطة التقاء للعلماء من مالي والنيجر وتشاد وموريتانيا والمغرب.

وظهرت في أدرار العديد من الزوايا، وهي عبارة عن جوامع لتعليم علوم الدين، ولها الكثير من المريدين والأتباع. وقد نبغ في أدرار كثير من العلماء الذين وضعوا المصنفات والمؤلفات التي بقي جلها في مخطوطات نسخت باليد ولم تنشر بالطباعة الحديثة، وهو ما جعل وزارة الثقافة بالجزائر تفكر في أنجع السبل للاحتفاظ بهذه الكنوز وصيانتها.

وأكد مدير الثقافة لولاية أدرار العيد شويطر لـ «البيان» أن المنطقة كانت تحتفظ بما يقارب الثلاثين ألف مخطوط في مختلف العلوم، لم يبق منها اليوم سوى سبعة آلاف إلى 12 ألف مخطوط لأسباب كثيرة، منها تسرب العديد من المخطوطات إلى خارج البلاد لاسيما إلى أوروبا وفرنسا بالخصوص.

وكذا حصول هيئات وأشخاص خارج أدرار على بعض المخطوطات الثمينة، وقد تنقلت المخطوطات بالوراثة إلى أشخاص رحلوا خارج المدينة وأخذوها معهم، بل هناك من الورثة من باع تلك المخطوطات لعدم اهتمامه بالمجال الثقافي.

ويوضح مدير الثقافة بأدرار أن 20 % من مجموع هذه المخطوطات يوجد الآن في حالة جيدة بسبب توفر شروط الحفظ، و40% في حالة متوسطة، بينما الباقي في ظروف سيئة.

ومن أسباب تدهور هذه المخطوطات القدم حيث يفوق عمر بعضها عشرة قرون، وكذا نوعية الورق الذي لا يقاوم الرطوبة، بالإضافة إلى الحشرات التي كثيرا ما التهمت الأوراق العتيقة وأتلفتها.

ولهذا سارعت وزارة الثقافة الجزائرية إلى إنشاء مركز حفظ وصيانة، تجمع فيه كل المخطوطات التي خلفها علماء المنطقة في مختلف العلوم والمعارف، وتصنف تصنيفا حديثا وتحفظ وفق شروط لائقة. وهو ما يمكن الباحثين من مختلف جامعات الجزائر والجامعات العالمية من الإطلاع على هذه المخطوطات، والاستفادة منها في أبحاثهم.

كما يمكن ذلك تحقيق الكثير منها وإصدارها في شكل كتب. لكن المشكلة الأساسية التي يواجهها هذا المشروع في نظر مدير الثقافة للولاية هو أن الكثير من الأسر بأدرار تعتبر المخطوطات إرثا للعائلة لا يمكن الاستغناء عنه والتفريط فيه.

بالرغم من أن المركز سيحافظ عليها، ويتيح بوسائله المختلفة الانتشار لتلك الأعمال القيمة ويتيح الانتفاع بعلمها وهو ما كان يهدف إليه من كتبها، لكن من الصعب إقناع المالكين لها بذلك.

ويرى أحمد باهي من مدينة أدرار أن الرجل في هذه المنطقة يفتخر ويعتز بثلاثة أشياء هي المخطوطات والنخيل والفقارة، والتي هي نوع تقليدي من الري توارثه المزارعون بالمنطقة جيلاً عن جيل.

ويقول محمد بن وليد، وهو من المثقفين بالمنطقة ومن عائلة عريقة في العلم: «لقد ورثت عائلتي مكتبة تحوي مئات من الكتب القديمة والمخطوطات، وكانت الكتب التي كتب معظمها باليد تتنقل من جيل إلى جيل في الأسرة الكبيرة، فبعض الكتب تعود إلى القرن العاشر الميلادي.

ومن الصعب أن نفرط فيها، ولاسيما أنها ليست ملكا لفرد معين من الأسرة، بل هي ملك ومفخرة للجميع، وهنا تكمن المشكلة، فمن الصعب إقناع كل الورثة بضرورة نقل المخطوطات إلى المركز.

وهذا النقل معناه في نظر البعض التفريط في ما ترك لنا الأجداد بسهولة وتعريضه للزوال مجاناً، وهو شعور تتقاسمه جل العائلات بمنطقة أدرار».

ويقول محمد البلبالي من بلدة عين مقل التابعة لولاية أدرار: «إن المركز جاء ليحفظ المخطوطات التي تعتز بها الأسر في المنطقة كلها، فأي عز سيبقى لها لو ذهب من بين يديها كل ذلك العلم؟..

وإذا كانت تلك المخطوطات قد بقيت إلى اليوم وعمرها عدة قرون فلأن هناك نظام دقيق وصارم للحفاظ عليها، فببساطة لو لم يمكن هذا النظام للحفاظ عليها لما وصلت إلينا اليوم ولما كان التفكير في إنشاء مركز لها، ولهذا يرى أغلب أصحاب المكتبات العائلية والمالكين للمخطوطات أنه لا جدوى من تسليم ما لديها من مخطوطات وكتب قديمة.

ووسط تشبث العائلات بما توارثت من مخطوطات، يعتقد كثير من الأخصائيين أن إقامة المركز مثل وضع العربة أمام الحصان، فبدل الحصول على المخطوطات وإنشاء مركز يجمعها، أنشئ المركز .وهو ينتظر الحصول على المخطوطات التي قد لا تأتي بسبب وجيه في نظر أصحابها وهو أنها ملك لهم لا يودون التفريط فيه؟

وفي انتظار الحل، وهو في نظر القائمين على الثقافة بالمنطقة إقناع المالكين بجدوى الفكرة، ترقد آلاف المخطوطات الثمينة في خزائن العائلات، ويتناقص عددها بمرور الزمن ويتدهور حال الأوراق العتيقة لأسباب عديدة.

ولعل أنجع عمل لإنقاذ هذه الكنوز، هو إقناع المالكين لها، بخطوات عملية تتمثل في تحقيق بعض المخطوطات المتوفرة لدى المركز وإخراجها إلى النور ورفوف المكتبات في أجمل الأشكال، وهو ما يغري الجميع بقبول إرسال ما لديهم من مخطوطات أملا في طبعها ونشرها.

والحقيقة أن أفضل تكريم لعلماء المنطقة هو إصدار تلك المخطوطات في كتب محققة لتجد طريقها إلى المكتبات والقراء، لا أن تبقى على حالها في خزائن وصناديق العائلات، أو حتى في رفوف المركز وهو ما يخشاه كثير من مالكي المخطوطات.

الجزائر ـ مراد الطرابلسي: