هناك العديد من رسامي الكاريكاتير الذين عاصرتهم وأضافوا لي، ومن أهمهم «ناجي العلي» فهو فنان لا ينسى، وهناك الفنان السوري «علي فرزات» والجزائري «رشيد قاسم» واللبناني «حبيب حداد» ومن مصر هناك بهجت ورجائي وحجازي ومصطفى حسين وحسن حاكم ومحيي اللباد. وفي رحلة البحث عن الذات اكتشفت بئر الكاريكاتير، وغرفت من بئر السخرية حتى ارتويت ولم أسكت، ورفضت الاكتفاء بماء البئر، فنقبت وحفرت بئراً من نقط النحت الذي تدفق معي تماثيل، لم أسكت، فأنا أجرب الآن في الكتابة، ما دمت أقدم نفسي بصدق فأنا كل هؤلاء، أنا جورج البهجوري حين أنحت وحين أرسم وحين أكتب، من دون أن أستطيع تحديد نفسي».

نحن إذن إزاء «جورج البهجوري» الذي نشأ في «بهجورة» بصعيد مصر وانتقل إلى القاهرة بحثاً عن موضع قدم بين الكبار في عالم الإبداع. بدأ برسم اللوحات ثم الكاريكاتير الصحفي، وبعد رحلة كفاح وصدام بحث عن ميدان أوسع للحرية فهاجر إلى باريس عاصمة النور والفن والثقافة والإبداع، ظناً منه أنه سيحقق مآربه. لكنه هام على وجهه في شوارعها وجلس على الأرصفة طويلاً والمقاهي.. ليعاني نار غربة وفراق. وفي هذا الحوار الخاص بالـ «البيان» يتحدث عن مجموعة من القضايا.

ـ من «بهجورة» في الصعيد للقاهرة ثم إلى باريس، محطات كثيرة مررت عليها كيف تراها الآن؟

ـ أراها أشبه بشريط قصير لرحلة رجل شرقي يهيم الآن في بلاد الغربة يبحث عن عمل ومسكن وخبز وحرية وحب. فأثناء جلوسي في مقاهي باريس أدخن الشيشة أتذكر فصول التجربة كلها خاصة الفصل الأخير الذي ما زلت أعيشه، وأعتقد أنه رغم مرارة التجربة والصعوبات التي واجهتها، إلا أنني استفدت كثيراً، فقد اكتشفت ذاتي وتحررت من كافة القيود وشعرت في باريس أنني ولدت من جديد، فأنا أفكر كثيراً وأتأمل طويلاً وأنبهر وأفرح وأغضب وأسترجع شريط ذكرياتي في وطني الأم مشتاقاً فرحاً بجوائز حصلت عليها ولوحات تعرض في أكبر المعارض العالمية.

ـ ماذا لو بقيت في «بهجورة» ولم تأت لباريس؟

ـ بالطبع كنت سأموت أو أقتل.. ففي داخلي طاقات هائلة تريد أن تخرج وتتنفس، ولكن كنت عاجزا عن تحقيق ذلك، وعندما جئت لباريس كنت مأخوذا بالحضارة الأوروبية معتقدا أن الاتجاه للغرب هو النجاح بعينه، وللأسف وبعد مضي فترة من الوقت اكتشفت أن الشرق هو طريق النجاح الحقيقي، فأنا لم آخذ من باريس سوى الإبداع فهي عاصمة لا تمنحك أي شيء سوى المناخ الملائم للإبداع بحرية دون أي ضغوط أو موانع وهذا يكفي!

ـ وماذا عن الثروة.. هل جمعت منها الكثير؟

ـ لم أجن ثروة طائلة من حصيلة بيع أعمالي الفنية في باريس، رغم أنني حملت أقلامي الملونة ودفاتري الصغيرة وتجولت في المقاهي والبارات والشوارع والميادين ولم أترك مكانا دون أن أسجل عنه انطباعاً فنياً.. ودفعتني قسوة الظروف وشظف العيش إلى بيع أعمالي الفنية بأبخس الأثمان لأوفر قوت يومي، وواجهت مأساة مع «مافيا» إقامة المعارض في باريس الذين استغلوني وسرقوا أعمالي الفنية!

ـ وماذا عن طموحاتك الفنية.. هل حققت منها شيئاً؟

ـ لابد أن يكون هناك دائماً حلم يعيش الإنسان من أجله ويسعى إلى تحقيقه، والفنان أحوج ما يكون إلى هذا الحلم. فأنا أحلم أن أجد بيتا لعرض أعمالي الفنية التي رسمتها طوال ثلاثين عاما وأخشى من تلفها. وأحرص على القيام بعمل صيانة دورية لها حتى لا يكون مصيرها سلة المهملات، ويكفي أنني لم أحقق حلم الثروة التي سعيت إلى تحقيقها في باريس، وأصبحت سرابا مما اضطرني للعمل في الصحف العربية التي تصدر في العاصمة الفرنسية لمواجهة متطلبات الحياة اليومية، ولم أحقق الاكتفاء من بيع اللوحات إلا منذ خمس سنوات فقط، فالشهرة والعالمية غير ممكنة في باريس لأن الرسامين الفرنسيين أنفسهم يشتكون من تجاهل وسائل الإعلام لهم فما بالك بالأجنبي مثلي، لقد اكتشفت أن باريس ليست إلا «سربون» نتعلم فيها الفنون والإبداع والحرية!

ـ الفنان أكثر الناس معاناة بالغربة، فهل شعرت بهذا الإحساس وأنت خارج حدود الوطن؟

ـ بصراحة أنا لا تعنيني «غربة» المكان لكن تؤلمني «غربة» الفن، وهذا ما شعرت به عندما طالبني البعض صراحة بالعودة إلى رسوم الكاريكاتير وترك الرسم التشكيلي في تلك اللحظات فقط شعرت بوطأة الغربة. لقد كنت أشتري الألوان بالنقود التي كان يجب أن أشتري بها الطعام، فالبرد القارس كاد يفتك بي. خلال فترة من الفترات شعرت بالألم الشديد في قدمي وأنا أرسم واقفا في الوقت الذي كان مطلوبا مني أن أجلس على المكتب لأرسم النكات وأحصل على الشهرة والدفء والنقود!

ـ لكن لماذا مازال البعض يعتبرونك رسام كاريكاتير فقط؟

ـ للأسف هذه النظرة القاصرة تحزنني جداً وتجعلني أشعر بضياع المجهود الكبير الذي بذلته طوال مشواري الفني. فالبعض يصرون على أنني رسام كاريكاتير فقط ويتجاهلون أعمالي الإبداعية الأخرى، فالمشكلة أن الرسم في الصحافة له جمهوره الكبير بعكس المعارض الفنية التي تعاني من ندرة الزائرين وكثيراً ما التقيت بعض الأشخاص الذين يبدون إعجابهم بأحد الرسومات التي نشرتها في مجلة «روزاليوسف» منذ سنوات وبالطبع فإنه بقدر سعادتي بهذا الثناء أشعر بالحزن العميق لتجاهل مجهودات السنوات الأخرى، والتي تضاعفت فيها أعمالي الفنية في كل المجالات الإبداعية من حفر ونحت ورواية، فقد خرجت من عباءة الكاريكاتير منذ أمد بعيد.

القاهرة ـ خالد غازي: