أرادوها ندوة مفتوحة تجمع الفائزين بهذه الدورة من الجائزة مع الجمهور والصحافيين، لكن الندوة مضت بعيداً عن وصفها جلسة حميمية نحو جملة من القضايا والمواضيع وعلى ما يبدو أن شهية الضيوف كانت مفتوحة على التنظير والقول والإسهاب، باستثناء المسرحي عز الدين المدني الذي طالب أن تكون الندوة التي أدارها الدكتور محمد المطوع سجالية بين الجمهور والضيوف والتزم بذلك،

وكان قد أعلن هذه الفكرة الشاعر محمد الماغوط الذي قال في مستهل الندوة إنه يكره التحدث بطريقة الأنا، ولا يجيد التحدث عن نفسه، وظل على امتداد الندوة التي طالت أوراق بعضها وتشعبت حول مجموعة من القضايا والمواضيع المتعلقة بالفكر العربي، والفنون البصرية.

ظل يدخن وينظر من حوله، غير أن الماغوط وحين قرر مغادرة القاعة نحو العشرات من معجبيه الذين كانوا ينتظرونه خارج القائمة وأكثرهم من الجنس اللطيف الذين راحوا يلتقطون الصور معه، بدا عليه التحمس لقول شيء ما

الوقفة الأولى كانت مع الدكتور محمد مفتاح الذي قدم ورقة تحت عنوان التنظير والتنزيل في الحياة والمؤلفات وهي تستعرض وبإسهاب رحلته الطويلة والغنية في الدراسة

والبحث النقدي استهلها بالإشارة إلى أنه ولد في مجال وزمان خاصين صبغاه بألوانهما الخاصة؛ هو الفضاء الذي يقع في السهل الممتد الذي يمر به المسافر من الدار البيضاء إلى مراكش، وهو جزء من تامسنا القديمة، والشاوية المعاصرة. وقد توطنت هذا الفضاء قبائل عربية هلالية، وخصوصاً قبائل سفيان والخلط؛ وبطبيعة الأشياء، فإنها تتحدث بلغة آبائهم وأجدادهم التي هي العربية، مع التحويرات التي نبه إليها ابن خلدون في مقدمته،

والثاني أن حفظ القرآن الكريم واجب على من اشرأبت نفسه إلى أن يصير من العلماء الملمين بقواعد النحو، والفقه، وببعض الشذرات من الأدب بمعناه التقليدي. وقد شاءت الألطاف الإلهية أن يتحقق له بعض الشيء من ذلك، بعد أن ألقى رحاله في زوايا خاصة بتلقين العلم.

وهكذا حفظ الأجرومية، ومتن الألفية، ومتن المرشد المعين، والعاصمية وأجزاء من كتاب الشيخ خليل، مع الاطلاع على شروحها؛ لكن الاعتراف الحق بعلم العالم وفقهه لا يكون إلا إذا درس الطالب مدة معينة في إحدى الجامعتين العريقتين، أو في كلتيهما؛ وهما جامعة القرويين بفاس، وجامعة ابن يوسف بمراكش، وهما مركزان تعليميان مهمان تخرج فيهما رواد الإصلاح الثقافي والديني والسياسي بالمغرب، مثل علال الفاسي، والمختار السوسي، وعبدالله إبراهيم.

انضافت إلى هذه الحتمية الفضائية في صياغة رؤيا المؤلف حتمية أخرى زمانية؛ لقد كان الزمان صانعاً لهذه الرؤيا أيضاً. إذ ان ما بين 1948 ـ 1956، من سن المؤلف، كان عهد الحماية الفرنسية التي أسست بعض المدارس الابتدائية في الأرياف المغربية، إلا أن مرتاديها كانوا قلة،

إما لبعدها من سكن الأطفال، وإما لنفور الناس من كل ما هو فرنسي، ظانين أن ما يلقن فيها مناوئ لعقيدتهم ومذهبهم، وقد استبدلوا بها، باهتمام زائد، الكتاتيب والزوايا في البادية، وإنشاء مدارس حرة عربية في المدينة، حفاظاً على الهوية.

نال المغرب استقلاله فبدأ يصلح التعليم، لكن هذا الإصلاح منع محمد مفتاح من الالتحاق بإحدى الجامعتين المذكورتين، مما اضطره إلى المجيء إلى الدار البيضاء؛ وكان هذا المجيء حظاً عظيماً، لأنه أتاح للمؤلف أن يدرس على بعض المعلمين والأساتذة والفقهاء، ممن لهم بضاعة ما من الثقافة الحديثة والمعاصرة، كان منهم مغاربة، ولاجئون جزائريون فارون من الاستعمار الفرنسي، وفلسطينيون، وقد سمح له ما لقنه،

من هؤلاء المعلمين الأفذاذ المتفانين في بناء شخصيته الناشئة، حينئذ، أن يدرك بعض مغازي ومرامي ما كان يستظهره من قرآن ومتون متنوعة، مما جعل مداركه تتفتح، فبدأ يسعى إلى المزيد من المعرفة والعلم، وأتاح له دخول سلك المعلمين؛ هكذا صار يجمع بين التعليم في المدرسة الابتدائية، والتعلم في المدارس الحرة لنيل شهادة البكالوريا (الثانوية العامة) ليلتحق بالجامعة.

وفي موقع آخر من ورقته أشار محمد مفتاح إلى أن هناك تحولات كبرى أثرت تأثيراً بليغاً في مسار تكوين رؤيا المؤلف.وترد تلك التحولات إلى عوامل خارجية، وإلى تغيُّرات داخلية، من بين العوامل الخارجية تلك الطفرة متعددة الأنواع والأشكال التي حصلت في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية،

وتلك الحركات التحررية التي اندلعت في المستعمرات ضد القوات المحتلة، وتلك الحركة الطلابية الفرنسية الشائعة الذكر، وتلك المناهضة القوية للايديولوجية الليبرالية المتوحشة، وكان يؤطر كل ذلك فكر ما بعد الحداثة صاحب الأوجه المتعددة، و(ما قبل الحداثة أيضاً)!.

كان المغرب شديد الحساسية لتلك التحولات لارتباطه التاريخي بأوروبا. فقد كان يدرس بمعاهد البعثة الفرنسية وبالمدارس المغربية المزدوجة اللغة، متعاقدون فرنسيون شباب متشبعون بذلك المناخ الفكري في أوروبا، فلم يلبثوا أن أثروا في بعض الشباب المزدوج اللغة، أساساً، وفي غير مزدوج اللغة تبعاً، فانبثقت حركات يسارية مختلفة الأوان ثارت على اليسار التقليدي.

كان قدوم أحد أقطاب التجديد الفكري والنقدي إلى المغرب ذا أثر لا ينكر، والقادم هو رولان بارت الذي كان يدرس بكلية الآداب والعلوم الإنسانية في الرباط، كما كانت الكلية تدعو بعض رموز التحديث لإلقاء محاضرات خاصة بالطلبة، وعامة للجمهور، مثل محمد أركون، ومارتيني وكريماص. هكذا بدأ التجديد في البحوث الأدبية واللسانية والمنطقية والتاريخية والاجتماعية من قبل مجموعة من الباحثين المغاربة.

كان المؤلف من بين هذه المجموعة، فانخرط في هذا المناخ الجديد انخراطاً متزناً عقلانياً مضبوطاً بتكوينه العربي الإسلامي الأصيل. وقد أنجز في هذا المناخ أطروحته: «الخطاب الصوفي، مقاربة وظيفية»، بإشراف الأستاذ محمد أركون، و«في سيمياء الشعر القديم»، و«تحليل الخطاب الشعري، استراتيجية التناص»،

وإذا كان يعلم كثير من القراء المختصين الكتابين الأخيرين، فإنهم لا يدرون التأثير الذي حققته الأطروحة في المؤرخين للظاهرة الصوفية والذهنية المغربية، فقد نسج على منوالها كثير من الأطروحات والكتب. ثم تنوعت ورقة مفتاح بين مجموعة من المحاور، منها في حمى النسبية في ميدان التصور النسقي في بيت الدراسات الثقافية،

وغيرها من المقاطع التي قدمت تحولات عامة في مسيرة د. محمد مفتاح الفنية والكبيرة. كلمة الدكتور انطوان زحلان استهلها بالإشارة إلى أنه ولد في حيفا بفلسطين عام 1928 ولم يستغرق وقتاً طويلاً لتحقيق وعي قوي بالمؤامرة على وطنه الحبيب، ومدى الضعف القائم في مواجهة المؤامرة البريطانية الصهيونية.

وقال زحلان: كما حدث لمعظم الفلسطينيين غيرنا أصبحت أنا وأسرتي لاجئين في عام 1948.وتمكنت من الالتحاق بالجامعة الأميركية في بيروت والحصول على درجتي البالكوريوس والماجيستير بالعلوم. وبطبيعة الحال تعين على أن أعمل لأكسب عيشي، حيث كنا قد فقدنا بيتنا وكل مصادر عيشنا.

كنت مصمما على أن أواصل دراساتي إلى أعلى الدرجات، وكنت محظوظا أن حصلت على منحة زمالة لمواصلة دراستي لدرجة الدكتوراه في جامعة سيراكيوز في ولاية نيويورك، بعد أن حصلت على الدكتوراه كنت اطمح للعودة إلى الوطن وكان قد عرض علي مركز أستاذ للفيزياء في الجامعة الأميركية في بيروت، ولكن في ذلك الوقت ـ في عام 1956 ـ كان قسم الفيزياء بلا تسهيلات بحثية من أي نوع.

وكما يدرك كل واحد منا لا يستطيع عالم أن يحافظ على قدراته ما لم يقم بإجراء أبحاث بصفة منتظمة. نجحت في جمع منح مالية ليصبح في الإمكان تطوير تسهيلات بحثية في الجامعة، واستغرق قسم الفيزياء قرابة عشر سنوات من العمل الشاق من أجل إقامة برنامج بحثي للدكتوراه،

وأضاف زحلان ان نزيف الأدمغة وعلى نطاق واسع كان جديداً على الوطن العربي، وأدى بي هذا إلى دراسة نزيف الأدمغة العربية، ولا أزال أواصل الاهتمام بهذا الموضوع، منذ ذلك الحين. وفي الوقت الحاضر فإنني أستكمل كتاباً آخر عن نزيف الأدمغة، وهو دراسة للهجرة العربية الواسعة النطاق وإقامة جاليات عربية ضخمة في معظم بلدان الغرب.

إن نزيف الأدمغة العربية يبلغ أربعة أضعاف نظيره من الصين على أساس نصيب الفرد، ويبلغ خمسة أضعاف نظيره من الهند، فإن إجمالي الهجرة من الصين والهند يبلغ 6,3 ملايين شخص مقابل 5,4 ملايين شخص من الوطن العربي، ومن ثم فإن الصين والوطن العربي يصدران عددا متساويا من أصحاب المهارات العليا أما من حيث الهجرة الإجمالية فإن الوطن العربي يتخطى الصين والهند مجتمعتين.

في الهزيمة العربية الساحقة في يونيو عام 1967 وجدت نفسي أشرح دور العلم والسياسة العلمية في المجالات كافة، بما في ذلك المجال العسكري، ودفعتني هذه الكارثة العربية إلى البحث في التأثيرات العلمية والتقنية «التكنولوجيا» للهزيمة.

وقد عرضت النتائج التي توصلت إليها في عدد من الأبحاث والدراسات في ذلك الوقت: أحد هذه الأبحاث كان كتابي الذي صدر في عام 1969 عن العلم والتعليم العالي في إسرائيل، حيث استنتجت ان إسرائيل إما تملك قدرة إنتاج القنبلة الذرية أو أنها أنتجت واحدة بالفعل.

وقال زحلان في موقع آخر من ورقته ولقد كان لي من حسن الطالع على مدى الخمسين عاما الماضية ان عملت مع عدد كبير من المنظمات وأقمت صداقات عديدة في كثير من البلدان ومكنني عملي على موضوع نزيف الأدمغة العربية من أن التقي بآلاف من الباحثين والعلماء العرب في جميع أنحاء العالم.الورقة الأخيرة في هذه الندوة قدمها الدكتور ثروة عكاشة وكانت ورقته بطبيعة الحال على درجة كبيرة من الفن والأهمية البحثية.

متابعة: حازم سليمان محمود ابو حامد