قدمت لجنة تحكيم الدورة التاسعة من جائزة العويس والتي تألفت من 12 مبدعاً وناقداً تقريراً كاملاً عن مسوغات وحيثيات حصول الفائزين على الجوائز، وقام الدكتور سليمان الجاسم نائب الأمين العام لمجلس الأمناء بقراءة التقرير الذي جاء على الشكل التالي:
حقل الشعر :
تمنح الجائزة إلى الشاعر محمد الماغوط الذي أسهم في الحداثة الشعرية العربية، وفي تطوير قصيدة النثر الذي هو واحد من روادها الكبار، فقد كانت هذه القصيدة قبله مشروعاً غير واضح المعالم، إلى أن أعطاها بجهده شكلاً شعرياً له أسئلة فكرية وفنية خاصة به، لذا لا يمكن النظر اليوم إلى هذه القصيدة التي اكتسبت موقعاً واسعاً في المشرق العربي ومغربه دون التوقف أمام دور الماغوط الريادي.
عمل هذا الشاعر على تحرير الشعر من قيود الصنعة والتقليد، ولعل هذا البحث الذي يوائم بين الحرية والإبداع هو الذي أتاح لقصيدته النفاذ إلى عوالم الإنسان المختلفة، الروحية والمعنوية والوجودية والمعيشية في آن،
متوسلة الصورة والرمز والمجاز ولغة كثيفة الإيحاء، ومع أن في هذه القصيدة ما يحاول شعراً خالصاً، اعتماداً على استعمال غير مألوف للغة، فإن انشداد الشاعر إلى الهموم العربية اليومية، أفضى إلى قصيدة يتلقاها القارئ بيسر وألفه، لأنها تعبّر عن أحواله وتجنح عليها، متطلعة إلى زمن مختلف.
تشكل أعمال الماغوط الشعرية والنثرية، و مسرحياته التي أرادها قصائد أخرى، وحدة فكرية متجانسة، تنقد الكتابة العربية السائدة بكتابة مغايرة، وتنقد واقعاً يحاصر الإبداع والحرية معاً.
حقل القصة والرواية والمسرحية :
تُمنح جائزة الإبداع الأدبي (حقل المسرحية) إلى عز الدين المدني، لما تميزت به تجربته في الكتابة المسرحية من غنى وعمق والعمل على بناء مسرح عربي يستفيد من تجارب المسرح الغربي ويؤكد الخصوصية العربية، وقد حقق المدني مشروعه موائماً بين ثقافة نظرية بتاريخ المسرح وقضاياه وخصوصيته من ناحية وتجريب مسرحي مجتهد من ناحية ثانية،
وفعل كل هذا باحثاً عن جماليات ممكنة لمسرح عربي يجمع بين الحداثة والتأصيل ويقيم بين المتفرج والعرض المسرحي علاقة أليفة لا غربة فيها، ولعل تضافر الأصالة والتحديث هو في أساس قراءته المبدعة للتراث العربي، التي انتهت إلى عدد من المسرحيات المتميزة.
وقد جمع عز الدين المدني بين الكتابة للمسرح والتنظير لهذه الكتابة، و تجمع أعماله بين التراث والثقافة الشعبية والمواد التاريخية والشفهية، وذلك على نحو يحيل هذه العناصر إلى مشهد يرضي العين والعقل معاً، فجميع العناصر المسرحية تهدف إلى تحقيق الفرجة الجمالية.
الدراسات الأدبية والنقد:
تمنح الجائزة في مجال الدراسات الأدبية والنقدية إلى الباحث محمد مفتاح الذي يعد من ألمع النقاد العرب سواء من حيث هو أكاديمي متميز، ومحلل نصوص متمرس ومفكر يضع كل شيء موضع المساءلة والحوار.
تعد إنجازاته في هذا المجال إضافة نوعية لخطاب النقد العربي الراهن نظراً لتنوعها وعمقها ونزوعها نحو التأصيل والابتكار، فالناقد يمتلك دراية واسعة معمقة بالتراث العربي ومتمثل بشكل واع للنظريات النقدية الحديثة،
كذلك تكشف أعمال الباحث عن عدم الركون إلى الاستعارة السهلة لما هو جاهز أو سائد مكرس بل يعمد إلى التركيب الخلاق والتشييد الفعلي لعناصر نظرية ومنهاجية تفيد من مختلف العلوم الإنسانية بقدر إفادتها من العلوم الدقيقة، لهذا كله تعد منجزاته في مجملها خير تجسيد للعمل المعرفي المنتظم الذي يؤصل للفكر النقدي الحديث.
الدراسات الإنسانية والمستقبلية:
تمنح الجائزة إلى الدكتور انطوان زحلان الذي يعتبر رائداً في مجاله، إذ أنه من أوائل الباحثين والعلماء العرب الذين اهتموا بدراسة المستقبليات ومجتمع المعرفة، كما يعتبر أحد مؤسسي هذا النوع من المعرفة والدراسة في المنطقة العربية،
ويعتبر الدكتور زحلان من أوائل الأكاديميين العرب الذين عملوا على تأكيد دور المعرفة العلمية في التقدم التقني والاقتصادي، وهو بحق رائد ومتميز في مجال دراسته، ومؤسس لحقل معرفي جديد، استمر وجدد فيه وأضاف إليه دون انقطاع.
وتتميز دراساته بالأصالة والصرامة المنهجية والدقة العلمية، وتمثل وحدة معرفية متكاملة، تحمل رسالة تنويرية وإنسانية بالإضافة لدورها التغييري، وتؤكد هذه الدراسات دور العلم وضرورة ترسيخه في الفكر والممارسة العربية بمستوييها العام والخاص.
أما جائزة الانجاز الثقافي والعلمي فقد أشار تقرير مجلس أمناء الجائزة إلى ان اختيار الدكتور ثروت عكاشة يعود لكونه أحد الرموز الثقافية الفاعلة في الحياة الثقافية عربياً وعالمياً، وللإنجازات التي حققها لمصر والوطن العربي والحضارة البشرية بشكل عام،
خاصة فيما يتعلق بما أنجزه في إنقاذ آثار النوبة في مصر، وتحمله المسؤولية المباشرة قومياً ودولياً في هذا الإطار، لأن إنقاذ آثار النوبة لا يعني إنقاذ أحجار وتماثيل، إنما هو إنقاذ لتراث إنساني مشترك بين كل الشعوب.
الدكتور ثروت عكاشة قد طرق مجالات جديدة على الحياة الثقافية في العالم العربي، وتركزت في دراساته التي قدمها في مجال الفنون والحضارات الإنسانية عبر العصور،
وقد بلغت مؤلفاته في هذا الصدد 58 مجلداً وأصبحت مرجعاً مهماً للمكتبة العربية، إلى جانب الترجمات والموسوعات والمؤلفات الأخرى، التي جعلته بحق متفرداً فيما أنجزه، وهو بذلك يعتبر رائد نهضة مصر الثقافية وممثلاً لعصر النهضة الحديثة.
من أجل هذا كله ولأنه أحد أهم رجال الثقافة العربية في القرن العشرين، عمل باخلاص، مكرساً حياته للثقافة، فإن مجلس الأمناء يرى في الدكتور ثروت عكاشة خير من يمثل جائزة الإنجاز الثقافي والعلمي لهذه الدورة التاسعة 2004 ـ 2005 ويمنحه الجائزة تقديراً لما أنجزه خاصة وهو لا يزال مواصلاً العطاء من خلال مساهماته في المنظمات والمؤسسات الثقافية المصرية والعربية والدولية، ومن خلال التأليف والبحث.
