قال جدي لأبي وهو يمسك بيد مقبض عصاه العاجي وبيد أخرى طرف شاربه الطويل: الولد شعره طويل والجو حار وشعره كثيف يابس مثل رأسك وهذا يجعله أكثر عناداً منك، خذه إلى الحلاق، قال أبي بصوت هادئ: لا وقت لدي يا باشا وأنت أكثر العارفين بمشاغلي، رد جدي وعيناه تسبحان بعيداً في أركان المكان ويده مازلت تعبث بشاربه الرمادي:

مشاغلك، أنت لا تتوقف عن حججك البليدة هذه، عندما كنت في عمرك، لم يكن عملي يمنعني من أخذك إلى الحلاق، حاضر سأحل موضوع الحلاق اليوم، قالها أبي في عجلة من أمرة وكأنه لا يريد الدخول في مناظرة لا يحمد عقباها مع جدي، ثم قال:

(يا محروس اذهب وأحضر الأسطى بركة الحلاق غداً بعد الظهر ودعه يحلق شعر منير في الحديقة الخلفية)، ثم وضع يده على رأسي وكأنه يلومني على ما تعرض له من تقريع مبطن وغير مبطن قائلاً: (خلاص لا نريد أن نغضب الباشا يا ولد يا قنفذ أنت وقهقه ضاحكاً وهو يغادر المكان).

وضع محروس مرايا كبيرة ذات إطار خشبي ثقيل ولا أعرف كيف نقلها من الصالة الكبيرة ووضعها تحت شجرة الكافور العملاقة في حديقة منزلنا الخلفية وأمام المرايا وضع كرسياً مصنوعاً من الفولاذ أحضره من الطاولة تاركاً باقي الكراسي في وضعية متقنة .

وكأن الطاولة لم ينقصها شيء، أجلسني الأسطى بركة على لوح من الخشب يمتد من مسند الكرسي اليمين إلى مسند الكرسي الشمال وربط عنقي بفوطة بيضاء حتى يسقط عليها الشعر الكثيف.

وكان يتفنن كل مرة في عقد الرباط المحكم حول عنقي الصغير. مرة يقول لي «هذه عقدة الأرنب» ثم يقرصني بالماكينة، ومرة أخرى يقول لي «هذه عقدة العصفور» ثم يقرصني مرة أخرى بالماكينة اللعينة، ويبدأ في الثرثرة، أنتم صغار لا تعرفون معاني الأشياء، هذا الحلاق المتعجرف يريد أن يسخر مني!

كم أود أن أقول له «أنا أفهم أحسن منك، وأحسن من الذين خلفوك»، أنا الذي تسلقت سور القلعة مع حمادة ابن عم فتحي المراكبي وقتلنا الحية السوداء. أتدري؟ «يبتسم إلي في المرآة ويقرصني وهو يثرثر، أين البنت فتحية ؟

لماذا لم تحضر الشاي؟»، ان اسمها ليس البنت فتحية، إن اسمها آنسة فتحية، مال الأسطى بركة وهمس في أذني «أتدري ما حدث في حينا؟. يقولون إن الحاجة أم فتحية خرجت في الفجرية ماشية لسوق المنشية شافت حية سوداء جنية».

قفزت من فوق لوح الخشب، ولم احل عقدة الرباط ورحت أصيح في جدي «جدي، الأسطى بركة يقول إن أم فتحية شافت الحية السوداء الجنية». أخرج جدي غليونه وأشعله، ثم أخذ يسقي النباتات المتسلقة وقطف منها وردة بيضاء قدمها لي وقال:

«أنت ولد شجاع ولكن الشعر الكثيف فوق رأسك أفسد عقلك تماماً، لا يوجد شيء اسمه حية سوداء جنية، هناك فقط وردة بيضاء.

تطلعت إلى المرايا، رأيت الشمس تغرب وتموجات الضوء الأحمر للأفق تنعكس على صفحاتها في تراقص وتكسر يتوهج. رأيت شكلي الجديد بلا شعر كثيف».

صرخت قائلاً: «أسطى بركة، أسطى بركة، نحن الصغار نفهم أحسن منك».

أوزجان يشار